عن سجود هذه الكواكب التي ليس لها إرادة أن يقول رأيت كذا وكذا ساجدة لي ، ولكنه أراد أن يخبر والده أنه رآها ساجدة سجودا كأنه عن إرادة واختيار كسجود العقلاد المكلفين فأعاد فعل رأيت وجعل مفعوله ضمير العقلاء وجمع صفه هذا السجود جمع المذكر السالم ، فعلم أبوه أن هذه رؤيا إلهام ، لا يمكن أن تعد من أضغاث الأحلام ، التي تثيرها في النوم الخواطر والافكار ، ولا سيما خواطر غلام صغير كيوسف يخاف أبوه أن يأكله الذئب ، وفي سفر التكوين أنه كان قد بلغ السادسة عشرة وهو بعيد
* * *
5 -
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ
يا بني تصغير لكلمة ابن في نداء العطف والتحبب ، وقص الرؤيا على فلان كقص القصة معناه أخبره بها على وجه الدقة والإحاطة كما تقدم آنفا ، وقد يفهم منه المعبر البصير المعنى المناسب للرائي القاص أو المعنى الذي تؤول اليه في المستقبل إذا كانت رؤيا حق كما يقع للأنبياء عليهم السّلام قبل وحي التكليم ومقدماته ، وقد فهم هذا يعقوب واعتقد أن يوسف سيكون نبيا عظيما ذا ظهور وسلطان يسود به أهله حتى أباه وأمه وإخوته ، وخاف أن يسمع إخوته ما سمعه ويفهموا ما فهمه فيحسدوه ويكيدوا لاهلاكه فنهاه أن يقص رؤياه عليهم وعلله بقوله
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
أي إن تقصصها عليهم يحسدوك فيدبروا ويحتالوا للايقاع بك تدبيرا شيطانيا يحكمونه بالتفكير والروية ، كما يفعل الأعداء في المكايد الحربية ، يقال كاده إذا وجه اليه الكيد مباشرة ، وكاد له إذا دبر الكيد لأجله سواء كان لمضرته وهو المراد هنا ، أو لمنفعته ومنه قوله تعالى في تدبير يوسف لابقاء أخيه عنده
( كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ )
وسيأتي بيان هذه المقابلة
إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
ظاهر العداوة بينها لا تفوته فرصة لها فيضيعها . هذا بيان مستأنف للسبب النفسي لهذا الكيد وهو أنه من وسوسة الشيطان في النزغ بين الناس عندما تعرض له داعية من هوى النفس وشرها الحسد الغريزي في الانسان ، كما عبر عنه يوسف بعد وقوعه وسوء تأثيره وحسن عاقبته بقوله
( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي )
وفي قصته من سفر التكوين