تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أن يوسف قص رؤياه على أبيه وإخوته جميعا من أول وهلة وما قصه اللّه هو الحق الذي روي بالتواتر القطعي وسفر التكوين غير مروي بالأسانيد المتصلة المتواترة ، ولا دليل على أن أصله وحي من اللّه تعالى ، ولكنه كتاب قديم التاريخ له قيمة لا تعصمه من الخطأ * * * 6 -
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
أي ومثل ذلك الشأن الرفيع والمجد البديع الذي تمثل لك في رؤياك ، يجتبيك ربك لنفسه ويصطفيك على آلك وغيرهم فتكون من عباده المخلصين ( بفتح اللام كما وصفه اللّه فيما يأتي قريبا ) فالاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ، والجباية جمع الشيء النافع كالماء في الحوض والمال للسلطان ولي الأمر
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
أي يعلمك من علمه اللدني تأويل الرؤى وتعبيرها أي تفسيرها بالعبارة والاخبار ، بما تؤول اليه في الوجود ، وهو تأويلها كما سيأتي حكاية لقول يوسف لأبيه
( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا )
أو ما هو أعم من ذلك من معاني الكلام ، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها ، وقال بعض المفسرين وتبعه غيره إن الرؤيا حديث الملك إن كانت صادقة وحديث الشيطان إن كانت كاذبة ، وهذا القول يخالف الواقع فان رؤيا يوسف ليس فيها حديث وكذا رؤيا صاحبيه في السجن ورؤيا ملك مصر ، وانما سميت رؤيا لأنها عبارة عما يرى في النوم كما أن الرؤية اسم لما يرى في اليقظة فهما كالقربة والقربى وفرق بينهما للتمييز ، وقد يسمع رائيها أحاديث رجل يحدثه ولكن تأويل رؤياه يكون لجملة ما رآه وسمعه لا لما سمعه فيها فحسب ، كما يقصه بحديثه على من يعبره له . أي يعبر به من مدلول حديثه اللفظي إلى ما يؤل اليه ، وقد يكون قريبا كرؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك ، وقد يكون بعيدا كتأويل رؤيا يوسف نفسه ، ولفظ الأحاديث اسم جمع سماعي كالأباطيل . والرؤيا الصادقة ضرب من إدراك نفس الانسان أحيانا لبعض الأشياء قبل وقوعها باستعدادها الفطري ، إما بعينها وهو قليل ، وإما بمثال يدل عليها وهو المحتاج إلى التأويل ، وسنبين الفرق بين الرؤيا الصادقة وبين أضغاث الأحلام ، ورأي علماء الإفرنج ومقلديهم فيها في خلاصة السورة الاجمالية إن شاء اللّه تعالى ،