تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
والمقدمة الثانية رؤيا يوسف وما فهمه منها أبوه فهما إجماليا كليا كما بيناه آنفا وبنى عليه ان حذره وأنذره ما يستهدف له قبله من كيد إخوته ، وبشره بحسن عاقبته ، ونتيجة هاتين القضيتين ما قاله لأبيه بعد دخولهم عليه وسجودهم له
( 100 يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا )
الخ فمثل هذا الترتيب المنطقي العقلي البديع يتوقف نظمه وسرده على سبق العلم بالقصة وتتبع حوادثها والإحاطة بدقائقها ، ثم على وضع ترتيب ينسق عليه الكلام كالقصص الفنية المتكلفة ، ثم توضع له المقدمة والخاتمة في الغاية التي ألفت القصة لأجلها ، فتجعل الأولى براعة مطلع ، والآخرة براعة مقطع ، فقل لمن جهل سيرة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتاريخه : إن محمدا لم يكن قارئا ولا كاتبا ، ولا خطيبا ولا شاعرا ، ولا مؤرخا ، ولا راويا ، ولا حافظا للشعر ولا ناثرا ، بل كان كما قال للّه تعالى غافلا عن هذه القصة وكل ما جاء في القرآن ، وكانت تنزل عليه السورة القصيرة فيعجل بقراءتها لئلا ينسى منها شيئا ، فنهي عن ذلك عندما عرض له في أثناء نزول سورة القيامة بقوله تعالى ( 75 : 16
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 17 إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 18 فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 19 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
) وبقوله ( 20 : 114
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
) وقوله
( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى )
وقوله
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )
فلما ضمن ربه له أمن ضياع شيء منه بعدم حفظه عند تلقيه ، أو نسيانه بعده ، زال خوفه ، وترك الاستعجال بقراءته وهذه السورة الطويلة نزلت عليه دفعة واحدة كأكثر السور المكية حتى الطول منها كسورة الانعام فلم يكن يدري من هذا الترتيب والنسق لها ولا من موضوعها شيئا قبل وحيها ، ولا يحيط به إلا أن يكمل له تلقيها عن الروح الأمين عليهما السّلام ، ولكن العجب أن يغفل عنه أو يجهله أحد من المفسرين فرسان البلاغة الفنية ، والآن وقد بينته لقارىء هذا التفسير ليفطن لدلالة السورة بنظمها وبلاغتها على إعجاز القرآن اللفظي ، وبما فيها من التشريع وعلم الغيب على إعجازه المعنوي ، وبالاعجازين كليهما على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورسالته ،