تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
أشرع في تفسير القصة متبرئا من حولي وقوتي إلى حول اللّه وقوته ، وهي : * * * 7
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
أي لقد كان في قصة يوسف وإخوته لأبيه أنواع من الدلائل على أنواع من قدرة اللّه وحكمته ، وتوفيق أقداره ولطفه بمن اصطفى من عباده ، وتربيته لهم ، وحسن عنايته بهم ، للسائلين عنها ، من الراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها ، لأنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها ، ومن فاته العلم بشيء أو بحكمته أو بوجه العبرة فيه سأل عنه من هو أعلم به منه ، فان للظواهر غايات لا تعلم حقائقها إلا منها ، فاخوة يوسف لو لم يحسدوه لما ألقوه في غيابة الجب ، ولو لم يلقوه لما وصل إلى عزيز مصر ، ولو لم يعتقد العزيز بفراسته أمانته وصدقه لما أمنه على بيته ورزقه وأهله ، ولو لم تراوده امرأة العزيز عن نفسه ويستعصم لما ظهرت نزاهته وعرف أمرها ، ولو لم تخب في كيدها وكيد صواحبها من النسوة لما ألقي في السجن لاخفاء هذا الامر ، ولو لم يسجن لما عرفه ساقي ملك مصر وعرف براعته وصدقه في تعبير الرؤيا ، ولو لم يعلم الساقي منه هذا لما عرفه ملك مصر وآمن به وله وجعله على خزائن الأرض ، ولو لم يتبوأ هذا المنصب لما أمكنه أن ينقذ أبويه واخوته وأهلهم أجمعين من المخمصة ويأتي بهم إلى مصر فيشاركوه في رياسته ومجده ، بل لما تم قول أبيه له
( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ )
فما من حلقة من هذه السلسلة إلا وكان ظاهرها محرقا ، وباطنها مشرقا ، وبدايتها شرا وخسرا ، وعاقبتها خيرا وفوزا ، وصدق قول اللّه عز وجل
( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) *
فهذه أنواع من آيات اللّه في القصة للسائلين عن وقائعها الحسية الظاهرة ، وما هو أعلى منها من علومها وحكمها الباطنة ، كعلم يعقوب بتأويل رؤيا يوسف وعلمه يكذبهم بدعوى أكل الذئب له ، ومن شهادة اللّه له بالعلم بقوله
( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ )
الآية ، ومن شمه لريح يوسف منذ فصلت العير من أرض مصر قاصدة أرض كنعان . ومن علم يوسف بتأويل الأحاديث ، ومن رؤيته لبرهان ربه ، ومن كيد اللّه له ليأخذ أخاه بشرع الملك ، ثم من علمه بأن إلقاء قميصه على