تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
أيضا ، وهم مستعدون بفطرتهم الروحية للوصول إلى ما هو أعلى من ذلك كله من عالم الغيب ، والوصول إلى العلم الاعلى باللّه الواحد القهار ، ومعرفته معرفة كشف ورؤية بالبصائر يغشى نورها الابصار ، بالتجلي الذي ترفع به أكثر الحجب والاستار ، بغير كيف ولا حد ولا انحصار ، في حياة بعد هذه الحياة الدنيوية ، المقيدة فيها أرواحهم بهذه الأشباح الكثيفة الجسدية ، وان له تعالى هنالك لتجليات لعباده المقربين ، كما تجلى كلامه في الدنيا لأسماعهم وأبصارهم وعقولهم وقلوبهم بما يعلو كلام المخلوقين . أفليس من الحماقة والجناية على هذا الاستعداد العلوي العظيم ، أن يجعل هذا الانسان إرادته محصورة في هذه الحياة المادية ، وزينتها الجسدية ، فيكون منكرا أو كالمنكر لتلك الحياة الأبدية ؟ بلى وذلك قوله تعالى
( 15 مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ 16 أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
وما في معناهما من الآيات ( فان قيل ) وما تفعل بقوله تعالى ( 7 : 32
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
) الآية ( قلت ) انما كانت للمؤمنين في الدنيا بالاستحقاق ، وإن شاركهم غيرهم بالكسب وسنن الأسباب ، لأنهم هم الذين يشكرونها للّه ولا تشغلهم عنه فتكون إرادتهم محصورة في التمتع بها ، كيف وهم الذين قال فيهم ( 6 : 52 و 18 : 28 )
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) ؟
فالمؤمن الشاكر الصابر تزيده النعم شوقا إلى اللّه وحبا ، والشدائد معرفة باللّه وقربا

( م - الثانية عشرة : ازدراء الكفار المستكبرين ، للفقراء والضعفاء من المؤمنين )

كان الملأ المستكبرون من الأقوام ، المغرورون بالمال والجاه ، هم أول الذين يجحدون آيات ربهم ويكذبون رسله ، لأنهم يرون في اتباعهم لهم غضا من عظمتهم ، وخفضا من علو رياستهم ، ووقوفا مع الدهماء ، حتى الفقراء والضعفاء ، في صف
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 224 | الشيخ محمد رشيد رضا