الفقهاء التقليد بأنه العمل بقول من لا يعرف دليله ، وقد نهى الأئمة المعروفون الناس عن تقليدهم في دينهم ، وقالوا لا يجوز لأحد أن يتبع أحدا إلا فيما عرف دليله وظهر له أنه حق ، فالعالم مبين للحكم لا شارع له ، والتقليد بهذا المعنى شأن الطفل مع والديه والتلميذ مع أستاذه ، وهو لا يليق بالراشد المستقل ، ولكن المرءوسين مع الرؤساء والعامة مع الزعماء والامراء كالأطفال مع الامراء المستبدين ، وأما تلقي النصوص القطعية والسنن العملية عن ناقليها فهو ليس بتقليد لهم ، وكذا أخذ الفنون والصناعات عن متقنيها ، وأما تشبه الشرقيين بالافرنج فيما لا باعث عليه الا تعظيمهم لأنهم أقوى منهم ولا سيما أزياء النساء والعادات فكله من التقليد الضار ، الدال على الصغار
ولما كان الاسلام دين الرشد والاستقلال أنكر على العقلاء البالغين المكلفين جمود التقليد على ما كان عليه آباؤهم من أمر دينهم ودنياهم لا لأجل أن يقلدوا آخرين من أهل عصرهم ويسنوا لمن بعدهم تقليدهم ، بل ليكونوا مستقلين في طلب الحقائق من أدلتها ، وعلله بقوله تعالى
( أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ )
على ما بيناه في مواضع من هذا التفسير متفرقة ، ثم في كتاب الوحي المحمدي مجتمعة ، وفي قصص هذه السورة من حكاية هذا التقليد عن ثمود
( 62 قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا )
وعن مدين
( 87 قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ؟ )
ومن عجائب الجهل بالقرآن أن يعود الخلق الكثير من مدعي اتباع القرآن إلى التقليد - لا تقليد أئمة العلم المتقدمين الذين نهوهم عن التقليد اتباعا للقرآن - بل تقليد آبائهم وشيوخهم المتأخرين المقلدين حتى فيما ابتدعوا أو قلدوا أهل الملل من عبادة غير اللّه بدعاء غير اللّه والنذر لغير اللّه ، وشرع ما لم يأذن به اللّه ، ولئن سألتهم ليقولن ليس هذا بعبادة لغير اللّه ، بل توسل إلى اللّه وتقرب اليه ؟ ! فان قلت لهم ان هذا ما كان يقوله المشركون الذين قاتلهم لأجله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آل أمرهم إلى الاستدلال على الشيء بنفسه وهو تقليدهم لمن يفعل فعلهم أو يقره من مشايخ الأزهر ومشايخ الطريق ، فان قلت لهم : إن هؤلاء مخالفون لنصوص الكتاب والسنة وللأئمة الذين يدعون اتباعهم ؟ قالوا إنهم أعلم منا بما كان عليه الأئمة المختصين بفهم