الآية ( 2 : 213 ) وتفسيرها في الجزء الثاني من هذا التفسير
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
أي ولذلك الذي دل عليه الكلام من مشيئته تعالى فيهم خلقهم مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم وشعورهم ، وما يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم في أعمالهم ، ومن ذلك الدين والايمان والطاعة والعصيان ، وحكمته أن يكونوا مظهر الأسرار خلقه المادية والمعنوية في الأجسام ولأرواح وسننه في الاحياء ، وتعلق قدرته ومشيئته بخلق جميع الممكنات ، وبهذا كانوا خلفاء الأرض
( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )
وقال الحسن وعطاء خلقهم للاختلاف ، وقال مجاهد وعكرمة خلقهم للرحمة ، وقال ابن عباس خلقهم فريقين : فريقا يرحم فلا يختلف ، وفريقا لا يرحم فيختلف ، فذلك قوله
( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )
وهذا أصح مما قبله لأنه جامع للقولين ، وفي معناه قول مالك بن أنس وقد سأله أشهب عن الآية فقال : خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير ا ه أي كان الاختلاف سبب دخول كل من الدارين ، وفي الرواية عن ابن عباس تقديم المعلول على العلة ، والمعقول المشروع عكسه ، فالترتيب في الجزاء أن يقال : فريق اتفقوا في الدين فجعلوا كتاب اللّه حكما بينهم فيما اختلفوا فيه فاجتمعت كلمتهم وكانوا أمة واحدة فرحمهم اللّه بوقايتهم من شر الاختلاف وغوائله في الدنيا ومن عذاب الآخرة ، وفريق اختلفوا فيه كما اختلفوا في مصالح الدنيا ومنافعها وسلطانها فكان بأسهم بينهم شديدا فذاقوا عقاب الاختلاف والشقاق في الدنيا وأعقبهم جزاءه في الآخرة فكانوا محرومين من رحمته بظلمهم لأنفسهم لا يظلم منه لهم
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
التي قالها في غير المهتدين
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
أي من عالمي الانس والجن الذين لا يهتدون بما أرسل به رسله وأنزل معهم كتبه لهداية المكلفين والحكم بين المختلفين ، ففي سورة ألم السجدة ( 31 : 13
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
) الآية ، فهذا فريق السعير ، ومنه يعلم جزاء الفريق الآخر ، والمقام يقتضي الانذار