تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
في الاسراف فيه دون ما به يرجو الإفرنج اتقاء الهلاك من فساده وهو القوة الحربية وفنون الصناعة ، فإذا كان فسق الاتراف يهلك الأمم القوية ، فكيف تبقى مع اتباعه وفساده الأمم الضعيفة ؟ وكيف يزول والمتبعون له هم الملوك والامراء ، والزعماء والحكام ، والكتاب والخطباء ، وهم الأكثرون الظاهرون ، والناهون عن فسادهم الأقلون الخاملون ؟ ثم بين سنته تعالى في إهلاك الأمم وما يحول دونه بقوله * * * 117
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
اي وما كان من شأن ربك وسنته في الاجتماع البشري أن يهلك الأمم بظلم منه لها في حال كون أهلها مصلحين في الأرض ، مجتنبين للفساد والظلم ، وانما أهلكهم ويهلكهم بظلمهم وإفسادهم فيها ، كما ترى في الآيات العديدة من هذه السورة وغيرها وفي الآية وجه آخر وهو انه ليس من سنته تعالى أن يهلك القرى بظلم يقع فيها مع تفسير الظلم بالشرك وأهلها مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية ، وأحكامهم المدنية والتأديبية ، فلا يبخسون الحقوق كقوم شعيب ، ولا يرتكبون الفواحش ويقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر كقوم لوط ، ولا يبطشون بالناس بطش الجبارين كقوم هود ، ولا يذلون لمتكبر جبار يستعبد الضعفاء ، كقوم فرعون - بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الافساد في الاعمال والاحكام ، وهو الظلم المدمر للعمران ، ويحتمل أن يراد أنه لا يهلكها بظلم قليل من أهلها لأنفسهم ، إذا كان الجمهور الأكبر منهم مصلحين في جل أعمالهم ومعاملاتهم للناس ، أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسئل عن تفسير هذه الآية فقال « وأهلها ينصف بعضهم بعضا » وروي موقوفا على جرير ( رض ) ، فتنكير الظلم في هذا للتقليل والتحقير ، وفيما قبله للتعظيم ، وهو مأخوذ من قوله تعالى
( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )
والآية تدل على أن إهلاك المصلحين ظلم فلذلك يتنزه اللّه عنه وذكر المفسرون في الوجه الثاني القول المشهور المعبر عن تجارب الناس ، وهو