تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
بالمعروف ، ولكن كان هنالك قليل من الذين أنجيناهم أو هم الذين أنجيناهم مع الرسل منهم ، وكانوا منبوذين لا يقبل نهيهم وامرهم ، مهددين مع رسلهم بالطرد والابعاد ، بعد الأذى والاضطهاد
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
وهم الأكثرون منهم
ما أُتْرِفُوا فِيهِ
أي ما رزقناهم وآتيناهم من أسباب الترف والنعيم فبطروا . يقال أترفته النعمة أي أبطرته وأفسدته ، والبطر الطغيان في المرح وخفة النشاط والفرح
وَكانُوا مُجْرِمِينَ
أي متلبسين بالاجرام الذي ولده الترف راسخين فيه ، فكان هو المسخر لعقولهم في ترجيح ما أعطوا من ذلك على اتباع الرسل . روى ابن مردويه في تفسيره عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أولوا بقية وأحلام » والأشبه عندي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر الأحلام تفسيرا لا قرآنا . والمعنى ان العقول السليمة الرشيدة كافية لفهم ما في دعوة الرسل عليهم السّلام من الخير والصلاح لو لم يمنع من استعمال هدايتها الافتتان بالترف ، والتفنن في أنواعه ، بدلا من القصد والاعتدال فيه وشكر اللّه المنعم به عليه ، فالاتراف هو الباعث على الاسراف والفسوق والعصيان ، والظلم والاجرام ، يظهر في الكبراء والرؤساء ، ويسري بالتقليد في الدهماء ، فيكون سبب الهلاك بالاستئصال ، أو فقد الاستقلال ، وذلك قوله تعالى ( 17 : 16
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
) فهذا بيان لسنته تعالى في الأمم قديمها وحديثها ، ولا تغني عن شعوب الإفرنج معرفتهم بهذه السنة ومحاولة اتقائهم لها ، فحكماؤهم وهم أولوا البقية والأحلام الذين ينهونهم عن الفساد في الأرض يصرحون بأنهم سيهلكون كما هلك من قبلهم ، ولن تغني عنهم قوتهم ، بل تكون هي المهلكة لهم بأيديهم ، كما قال تعالى ( 7 : 65
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
) فراجع تفسيرها ومن عجائب الجهل والغي أن متبعي الاتراف من شعوبنا يقلدون الإفرنج