ان الأمم تبقى مع الكفر ، ولا تبقي مع الظلم ، والأوجه الثلاثة في الآية صحيحة ويجوز إرادتها كلها على القول بأن جميع ما يدل عليه الكلام مما شأن صاحبه أن يعلمه ولا يكون متعارضا في نفسه يصح أن يكون مرادا له ، وإن كان من المشترك أو كان بعضه حقيقة وبعضه مجازا ، ومن أركان بلاغة القرآن جمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل ، وأن يكون بعضها واضحا في هذه المعاني وبعضها خفيا يراد به أن يذهب الذهن والفكر فيه كل مذهب ، وهذا مما يتنافس فيه البلغاء
* * *
* * *
118
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ
أيها الرسول الحريص على إيمان قومه الآسف على إعراض أكثرهم عن إجابة دعوته ، واتباع هدايته
لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة لا رأي لهم فيه ولا اختيار ، وإذن لما كانوا هم هذا النوع من الخلق المسمى بالبشر وبنوع الانسان ، بل لكانوا في حياتهم الاجتماعية كالنحل أو النمل ، وفي حياتهم الروحية كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق وطاعة اللّه عز وجل ، فلا يقع بينهم اختلاف ، ولكنه خلقهم بمقتضي حكمته كاسبين للعلم لا ملهمين ، وعاملين بالاختيار وترجيح بعض الممكنات المتعارضة على بعض لا مجبورين ولا مضطرين ، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار ، وقد كانوا في طور الطفولة النوعية في الحياة الفردية والزوجية والاجتماع البدوي الساذج أمة واحدة لا مثار للاختلاف بينهم ، ثم كثروا ودخلوا في طور الحياة الاجتماعية فظهر استعدادهم للاختلاف والتنازع فاختلفوا ، كما قال تعالى ( 10 : 20
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
) في كل شيء بالتبع لاختلاف الاستعداد
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
في كل شيء حتى الدين الذي شرعه اللّه لتكميل فطرتهم وإزالة الاختلاف بينهم
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
منهم فاتفقوا على حكم كتاب اللّه فيهم ، وهو القطعي الدلالة منه الذي لا مجال للاختلاف فيه ، وعليه مدار جمع الكلمة ووحدة الأمة ، إذ الظني لا يكلفون الاتفاق على معناه لأنه موكول إلى الاجتهاد الذي لا يجب العمل به إلا على من ثبت عنده رجحانه ، وتقدم تفصيل وحدة البشر فاختلافهم فبعثة النبيين وانزال الكتاب معهم للحكم بين الناس في