هذه الآيات الثلاث في بيان سنن اللّه العامة في اهلاك أولئك الأقوام الذين قص على رسوله قصصهم وأمثالهم ، جاءت بعد ما تقدم من بيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة وانذار قومه صلّى اللّه عليه وسلّم بهم ، وما يجب عليه وعلى من آمن وتاب معه من الاستقامة والصلاح ، واجتناب أهل الظلم والفساد ، قال
* * *
116
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ
لولا تحضيضية بمعنى هلا ، والقرون الأمم والأقوام ، والقرن في اللغة كما في المصباح : « الجيل من الناس قيل ثمانون سنة وقيل سبعون » أقول ثم اشتهر تقديره بمائة سنة . والبقية من الشيء ما يبقى منه بعد ذهاب أكثره ، ومن الناس كذلك ، واستعمل في الخيار والأصلح والأنفع ، قيل لأن الناس ينفقون في العادة أردأ ما عندهم وأقربه إلى التلف والفساد أولا ويستبقون الأجود فالأجود ، ونقول لأن الأحياء يهلك منهم الأضعف فالأضعف أولا ويبقى الأقوى فالأقوى ، ومن هذا ما يعرف في علم الاجتماع بسنة الانتخاب الطبيعي ، وهو إفضاء تنازع الاحياء إلى بقاء الأمثل والأصلح ، كما ورد في المثل الذي ضربه اللّه للحق والباطل بقوله تعالى ( 13 : 17
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
) ومن ثم يعبرون عن الخيار بالبقية يقولون : في الزوايا خبايا ، وفي الناس بقايا ، وبهذا فسرت الآية
والمعنى : فهلا كان أي وجد من أولئك الأقوام الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم في الأرض جماعة أصحاب بقية من النهى والرأي والصلاح ينهونهم عن الفساد في الأرض وهو الظلم واتباع الهوى والشهوات التي تفسد عليهم أنفسهم ومصالحهم ، فيحول نهيهم إياهم دون هلاكهم ، فان من سنتنا أن لا نهلك قوما إلا إذا عم الفساد والظلم أكثرهم كما يأتي في الآية التالية
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ
أي لم يكن فيهم بقية من هؤلاء العقلاء الأخيار ، الناهين عن المنكر ، الآمرين