( فان قلت ) وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والامراء حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح « أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة » وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة ، وما لم يظهر منهم الكفر البواح ، ولم يأمروا بمعصية اللّه ، وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مراتبه ، وفعلوا أعظم أنواعه ، مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح فان طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا به من معصية اللّه ، ومن جملة ما يأمرون به تولي الاعمال لهم والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية اللّه ، ومن جملة ما يأمرون به الجهاد وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم وإقامة الحدود على من وجبت عليه
« وبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به ما لم يكن من معصية اللّه ، ولا بد في مثل ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم ونحو ذلك مما لا بد منه ، ولا محيص عن هذا الذي ذكرنا من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به ، بل قد ورد به الكتاب العزيز
( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا كما في بعض الأحاديث الصحيحة « أعطوهم الذي لهم واسألوا اللّه الذي لكم » ورد الامر بطاعة السلطان وبالغ في ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى قال « وإن أخذ مالك وضرب ظهرك » فان اعتبرنا مطلق الميل والسكون فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون ، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر لأمر يقتضي ذلك شرعا كالطاعة أو التقية ، ومخافة الضرر منهم ، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضى بأفعالهم ا ه
( قلت ) أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية اللّه فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا