تعالى وعالم الغيب إذ لا مجال للعقل والرأي فيها ، وقد كان تحكيم النظريات العقلية فيها مثار الاختلاف والشقاق والافتراق في الأمة الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب ، وحذرنا منه في هذا السياق ، وفيما هو أوضح منه من سياق سورة الشورى ، وما في معناهما من السور الأخرى ، وقد ترك البيضاوي بابه مفتوحا بزعمه ان الاستقامة في العقائد وسط بين التعطيل والتشبيه ، ويعني به التأويل الكلامي لأنه من أساطين نظاره ، وحجته قوله : بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين
والصواب أن تحكيم العقل البشري في الخوض في ذات اللّه وصفاته وفيما دون ذلك من عالم الغيب كملائكته وعرشه وجنته وناره طغيان من العقل وتجاوز لحدوده وقد نهي عنه ، لا صيانة له ، فان أكبر نظار البشر وفلاسفتهم عقولا قد عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم وأنفس ما دونهم من المخلوقات حتى الحشرات كالنحل والنمل ، فأنى لهم أن يعرفوا كنه ذات اللّه وصفاته وأفعاله أو ملائكته ، ولما خرجوا عن هدي سلف الأمة من الصحابة والتابعين وحملة الآثار زاغوا فكانوا ( 30 : 32
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
) سقط بعضهم في خبال التعطيل ، وبعضهم في خيال التشبيه ، وبعضهم في حيرة النفي المحض هربا من الامرين ، وبعضهم في الذبذبة بتأويل بعض النصوص دون بعض ، وهو ما سماه البيضاوي وسطا ، فهم يتأولون علو الرب على جميع خلقه ، واستواءه على عرشه ، ورحمته بعباده ، وحبه للمحسنين والمتوكلين ، وأمثال هذه الصفات المرغبة في الحق والعدل ، والمنفرة من الظلم والبغي ، يتأولونها هربا من التشبيه بزعمهم لأنها مستعملة في صفات البشر ، وما من تأويل لها إلا وهو بألفاظ بشرية مثلها تحتاج إلى تأويل ، وقصاراها انها إيثار لما اختاروه في وصفه تعالى على ما أنزله في كتابه ورضيه لنفسه
ثم إنهم لا يؤولون صفات العلم والقدرة والمشيئة والسمع والبصر مع القطع بأن معانيها اللغوية المستعملة في البشر تستلزم التشبيه الذي قالوه في الرحمة والحب والرضى والغضب ، فان علمه تعالى ليس كعلمنا في استمداده من المعلومات ولا في صورتها في النفس - فكيف إذا قلنا في الدماغ - ولا في انقسامه إلى تصور وتصديق ينقسمان إلى بديهي ونظري ، ولا قدرته تعالى ومشيئته في كنههما وتعلقهما بالأشياء كقدرتنا