الذين ردوا دعوة الرسل جحودا وعنادا ، والمراد بهذه الكلمة إنظارهم إلى يوم القيامة ، وتقدم مثل هذا التعليق بالكلمة في جميع المختلفين في ( 10 : 19 ) ثم فسرت في بني إسرائيل بقوله ( 10 : 93
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
) ومثله في ( 45 : 17 ) وسيأتي تحقيق القول في الاختلاف في تفسير الآية 119 هنا
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
الظاهر أن هذا في قوم موسى وكتابهم التوراة أي انهم لمرتكسون في شك من أمر كتابهم موقع في الريب والاضطراب
وذهب بعض كبار المفسرين إلى أنه في مشركي مكة وأمثالهم الذين شكوا في القرآن ، وهو خطأ ظاهر في اللفظ والمعنى والسياق ، وما في معنى الآية من السور الأخرى ، ومثلها في سورة حم السجدة ( فصلت ) بنصها ، وفي معناها من سورة الشورى ما يفسر الاجمال في هاتين الآيتين ويفصله فإنه بعد ذكر بعثة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن واختلاف البشر فيه وحكمه تعالى هو في الاختلاف قال ( 42 : 13
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ 14 وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
) فهذه الآية الأخيرة تفسير لآيتي هود وحم السجدة ( فصلت ) فان الذين أورثوا الكتاب من بعد من ذكر في الآيات هم اليهود والنصارى الذين جاءوا بعد أنبيائهم وقبل بعثة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وهؤلاء قد عرض لهم من الشك والريب في كتبهم ما لم يكن في عهد سلفهم ، فان التوراة التي كتبها موسى عليه السّلام قد فقدت في إحراق البابليين لهيكل سليمان كما بيناه مفصلا من قبل . ولذلك قال اللّه تعالى في عيسى عليه السّلام
( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ )
فهو لم يأخذ التوراة من أيدي اليهود الذين زعموا ان عزرا كتبها بعد الرجوع من سبي بابل ، وان كان يحتج عليهم بما كانوا يخالفونه مما حفظوه منها ، وقد اختلفوا في كتبهم وفي شرعهم إلى مذاهب ، وأما النصارى فكانوا أشد اختلافا في كتبهم ومذاهبهم كما فصلناه من قبل .