تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
عنه أحدا بعدك ، قال « قل آمنت باللّه ثم استقم » فالاستقامة عين الكرامة كما قالوا قال السيد عبد الفتاح الزعبي الجيلاني لعم والدي السيد أحمد أبي الكمال وهو زوج عمته : يا سيدي إنك صحبت الشيخ محمودا الرافعي واني أرى أتباعه يذكرون له كثيرا من الكرامات فأرجو أن تخبرني بما رأيت منه ، قال رأيت منه كرامة واحدة هي الاستقامة . أخبرني الشيخ عبد الفتاح هذا الخبر وقال أنا لم أكن أصدق ما ينقلونه من تلك الكرامات فسألته لأنني أعتقد انه كان من الصديقين في هذا العصر . وكان الشيخ عبد الفتاح نقادة وسئ الظن بما ينقله أهل طرابلس عن بعض شيوخ الطريق الذين اشتهروا بالصلاح ممن لم يدركهم ، ويعتقد ان بعض ما ينقلونه عنهم من الكرامات كذب كما عهده من كثير من معاصريه وبعضه أوهام . واختبر التزام الشيخ احمد للصدق بطول المعاشرة ، للمودة بين الأسرتين والمصاهرة . وقد ذكرت هذه الحكاية على صغر شأنها لان أولى الصدق والاستقامة في هذه البيوتات القديمة أمسى ، قليلا في بعضها وخلا من بعض ، وإذا كان البيضاوي قال في القرن السابع وغيره قبله وبعده ان الاستقامة في غاية العسر فما قال ذلك إلا لقلة من يرعاها حق رعايتها بالثبات عليها أو بلوغ الكمال فيها ، لا لعسرها في نفسها ، فان اللّه لم يكلفنا من شرعه عسرا
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )
* * * 113
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي ولا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين ولا من غيرهم فتجعلوهم ركنا لكم تعتمدون عليهم فتقرونهم على ظلمهم ، وتوالونهم في سياستكم الحربية أو أعمالكم الملية . فان الظالمين بعضهم أولياء بعض ، فالركون من ركن البناء وهو الجانب القوي منه ، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السّلام
( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ )
والسند بمعنى الركن وقد اشتق منه سند إلى الشيء ( كركن اليه ) واستند اليه ، وفسره الفيروزآبادي في قاموسه بالتبع للجوهري بالميل إلى الشيء والسكون له ، وهو تفسير بالأعم كعادتهم ، وفسره الزمخشري بالميل اليسير وتبعه البيضاوي وغيره من المفسرين الذين يعتمدون عليه في تحريره للمعاني اللغوية لدقة فهمه وذوقه وحسن تعبيره ، وانه لكذلك وقلما يخطئ في اللغة إلا متحرفا إلى شيوخ المذهب ( المعتزلة ) أو متحيزا إلى فئة رواة المأثور من
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 169 | الشيخ محمد رشيد رضا