تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
* * * 112
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
أي إذا كان أمر أولئك الأمم كما قصصنا عليك أيها الرسول فاستقم مثل ما أمرناك في هذا الكتاب أي إلزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه بالثبات عليه واتقاء الاختلاف فيه
وَمَنْ تابَ مَعَكَ
أي وليستقم معك من تاب من الشرك وآمن بك واتبعك
وَلا تَطْغَوْا
فيه بتجاوز حدوده غلوا في الدين ، فان الافراط فيه كالتفريط ، كل منهما زيغ عن الصراط المستقيم ، وهو يدل على وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية وهي العقائد والعبادات وعلى اجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي أنه تعالى بصير بعملكم يبصر به ويراه ويحيط به علما فيجزيكم به يقال بصر بالشيء في اللغة الفصحى ومنه ( فبصرت به عن جنب ) وقال تعالى في مثل هذا السياق من سورة الشورى بعد ما تقدم ( 42 : 15
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ، اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
) أمره أن يدعو إلى الدين الذي كان عليه الرسل في عصورهم ، قبل الاختلاف فيه الذي ابتدع من بعدهم ، وأن يستقيم عليه كما أمره اللّه ، وأن يخاطب أهل الكتاب بما يتبرأ به من الاختلاف ، ومن إثارته بحجج الجدال ، واكتفى في سورة هود بالامر بالاستقامة على الجادة والنهي عن الطغيان ، ومنه البغي الذي يورث الاختلاف ، لان المقام مقام العبرة العامة بقصص الرسل كافة ، لا بحال قوم موسى ومن أورثوا الكتاب خاصة ، فهذا فرق ما بين المقامين في هذه الآيات المتشابهة وقد أوجز القاضي البيضاوي في وصف هذه الاستقامة فقال « وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين - والاعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل ، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها ، وهي في غاية العسر » [ كذا قال ] ثم قال « وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس أو استحسان » ا ه وهذا أحسن مما قبله وهو ينقض بعضه فأحق النصوص بالاتباع من غير تصرف نصوص العقائد من صفات اللّه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 166 | الشيخ محمد رشيد رضا