تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
) على أن الاستثناء لتأكيد النفي أي إنه تعالى ضمن لنبيه حفظ هذا القرآن الذي يقرئه إياه بقدرته وعصمه أن لا ينسى منه شيئا بمقتضى الضعف البشري فهو لا يقع الا أن يكون بمشيئة اللّه ، فهو وحده هو القادر عليه
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
فهو إن شاء غير ذلك فعله ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وانما تتعلق مشيئته بما سبق به علمه واقتضته حكمته ، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشيء من وعده ولا من وعيده كخلود أهل النار فيها فان هذا الوعيد مقيد بمشيئته ، وهي تجري بمقتضى علمه وحكمته ، ولهذا قال في مثل هذا الاستثناء من سورة الأنعام ( 6 : 128
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
) وقد فصلنا في تفسير تلك الآية ما قاله العلماء من المفسرين وغيرهم في الخلاف في أبدية النار وعذابها « 1 » ووعدنا بالعودة اليه في تفسير هذه الآية وسنجعله في الخلاصة الاجمالية للسورة لتبقى سلسلة التفسير هنا متصلة * * * 108
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
أي دائما غير مقطوع ، من جذه يجذه ( من باب نصر ) إذا قطعه أو كسره فهو كقوله تعالى
( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) *
والفرق بين هذا التذييل وما قبله عظيم ، فكل من الجزاءين منه تعالى ومقيد دوامه بمشيئته ، ولكنه ذيل هذا بأنه هبة منه وإحسان دائم غير مقطوع ، ولو كان الأول مثله غير مقطوع لما كان فضلا وإحسانا ، وقد تكرر وعد اللّه للمؤمنين المحسنين بأنه يجزيهم بالحسنى وبأحسن مما عملوا ، وبأنه يزيدهم من فضله ، وبأنه يضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر من ذلك إلي سبعمائة ضعف . ولم يعد بزيادة جزاء الكافرين والمجرمين على ما يستحقون ، بل كرر الوعد بأنه يجزيهم بما عملوا وبأن السيئة بمثلها وهم
هامش
( 1 ) راجع ص 68 - 99 ج 8 طبعة أولى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 161 | الشيخ محمد رشيد رضا