تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
لا يظلمون ، وبأنه لا يظلم أحدا ، دع ما ورد من الآيات في سعة رحمته ، وفي الأحاديث الصحيحة من سبقها لغضبه . وما قاله العلماء في حل هذا الإشكال غير ظاهر ، وخلاصته أن عذاب النار الشديد الأبدي الذي لا نهاية له إنما كان جزاء لأهلها بمثل ما عملوا في سنين أو أشهر معدودة باعتباراتهم كانوا عازمين على الاستمرار على كفرهم وظلمهم وفسقهم لو كانوا خالدين في الدنيا ، فهو إذن جزاء لهم على نيتهم وعزمهم ا ه وانما كان هذا الجواب غير ظاهر لان الجاحدين عنادا واستكبارا من الرؤساء والزعماء هم الذين يصح فيهم العزم على الاستمرار وهم الأقلون ، لما علم بالاختيار والواقع من إيمان أهل مكة ثم أكثر العرب لما زالت الموانع من الايمان ، وظهر لهم منه ما كان خفيا عليهم ، على أن قاعدة هذه الشريعة السمحة ان اللّه لا يؤاخذ من نوى أن يعمل سيئة ولم يعملها ، والمعقول في تعليل الخلود في النار هو ما بيناه في سورة الأنعام وغيرها من أن عذاب النار الدائم أثر طبيعي لتدسية النفس بالكفر والظلم والفساد . . . وسنعود اليه في الخلاصة الاجمالية للسورة ان شاء اللّه تعالى * * * 109
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ
هذه فذلكة ما تقدم من الارشاد إلى الاعتبار بما حل بالأمم المهلكة ، وإنذار أعداء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به ، يقول إذا كان أمر الأمم المشركة الظالمة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصناه عليك أيها الرسول فلا تكن في أدنى شك وامتراء مما يعبد قومك هؤلاء في عاقبته بمقتضى تلك السنة التي لا تبديل لها ، فالنهي تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وإنذار لقومه . ثم بين حالهم في عبادتهم وجزائهم بيانا مستأنفا فقال
ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ
فهم مقلدون لآبائهم كما يقولون وكما قال أقوام أولئك الأنبياء من قبلهم
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
أي وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شيء ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبر الوالدين وصلة الارحام وإغاثة الملهوف وعمل المعروف الا ويوفيهم اللّه تعالى جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق وكشف الضر جزاء تاما وافيا لا ينقصه شيء يجزون عليه في الآخرة فلا يغترن أغنياؤهم وكبراؤهم بما هم فيه من سعة ونعمة ووجاهة فهو متاع