تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه ؟ قال « بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كل ميسر لما خلق له » وحديث « كل ميسر لما خلق له » رواه أحمد والشيخان وغيرهما ، ولفظ البخاري عن عمران بن حصين ( رض ) قلت يا رسول اللّه فيم يعمل العاملون ؟ قال « كل ميسر لما خلق له » وعن علي كرم اللّه وجهه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انه كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض فقال « ما منكم أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار » قالوا : ألا نتكل ؟ قال « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وقرأ
( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى )
الخ ومعناه الذي غفل عنه أو جهله الكثيرون على ظهوره : ان اللّه تعالى يعلم الغيب وعلمه بأن زيدا يدخل الجنة أو النار ليس معناه انه يدخلها بغير عمل يستحقها به بحسب وعده وحكمته ، ولا انه لا فرق فيما يعمله في الجزاء ، وإنما يعلم اللّه المستقبل كله بجميع أجزائه وأطرافه ، ومنه عمل العاملين وما يترتب على كل عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه المنزل وكتابته للمقادير ، ولا تناقض ولا تعارض بينهما ، ونحن لا نعلم الغيب ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علمنا ما نعلم به ما سيكون في الجملة وهو ان الجزاء بالعمل ، وان كل انسان ميسر له ومسهل عليه ما خلقه اللّه لأجله من سعادة الجنة وشقاوة النار ، وان ما وهبه للانسان من العزم والإرادة يكون له من التأثير في تربية النفس ما يوجهها به إلى ما يعتقد أن فيه سعادته . ثم بين جزاء الفريقين بالتفصيل فقال * * * 106
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا
أي الذين شقوا في الدنيا بالفعل بما كانوا يعملون من أعمال الأشقياء لفساد عقائدهم الموروثة بالتقليد حتى أحاطت بهم خطيئاتهم وأطفأت نور الفطرة من أنفسهم
فَفِي النَّارِ
مستقرهم ومثواهم
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
من ضيق أنفاسهم ، وحرج صدورهم ، وشدة كروبهم : فالزفير والشهيق صوتان يخرجان من الصدر عند شدة الكرب والحزن في بكاء أو غيره . قال الزمخشري في الكشاف : الزفير إخراج النفس والشهيق رده قال الشماخ :
بعيد مدى التطريب أول صوته * زفير ويتلوه شهيق محشرج
وقال الراغب في الآية : فالزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه ثم قال :
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 159 | الشيخ محمد رشيد رضا