( الحكمة الخامسة ) بيان مؤاخذة اللّه تعالى الناس على الاعمال النفسية وإرادة السوء بعد تنفيذها بالعمل بقوله تعالى
( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا )
وانما كانت إرادة هذا ذنبا لأنه كان باستشراف أشد من استشرافهم أولا لايثار عيرابي سفيان على الجهاد ، ولذلك لم يسألوا عن حكمه كما سألوا من قبل عن الأنفال ، ولم يبالوا في سبيله بأن يقتل المشركون منهم بعد عام مثل عدد من قتلوا هم ببدر كما ورد في بعض الروايات ، وما قاله بعض المفسرين من أن سبب هذا حبهم للشهادة فلا دليل عليه من نص ولا قرينة حال ويرده انه ليس للمؤمنين أن يحبوا أو يختاروا قتل المشركين لكثير منهم ولا قليل ، ويكفي من حب الشهادة الاقدام على القتال وعدم الفرار من الزحف خوفا من القتل .
( الحكمة السادسة ) الايذان بأنهم استحقوا العذاب على أخذ الفداء ولم يذكر معه مخالفة المصلحة المذكورة لأنها لم تكن قد بينت لهم ، وانما كان من شأن النبي ( ص ) أن يعلم هذه المصلحة ويعمل بمقتضاها والظاهر أنه علمها ولكنه رجح عليها العمل بالمشاورة والأخذ برأي الجمهور الذي فرضه اللّه تعالى عليه فرضا في غزوة أحد ، بعد أن ألهمه إياه إلهاما في غزوة بدر ، ولهذا لم يمن عليه هنا بالعفو عنه خاصة كما من عليه بعد ذلك في الاذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك الذي هو مخالف للمصلحة أيضا
( الحكمة السابعة ) بيان منة اللّه تعالى على أهل بدر أنه لم يعذبهم فيما أخذوا بسوء الإرادة أو بغير حق وتقدم وجهه ، وفي هذه المنة بعد الانذار الشديد خير تربية لأمثالهم من الكاملين تربأ بأنفسهم عن مثل ذلك الاستشراف ، لا انها تجرئهم عليه كما توهم بعض الناس
( الحكمة الثامنة ) علمه تعالى بأن أولئك الاسرى ممن كتب لهم طول العمر وتوفيق أكثرهم للايمان
( الحكمة التاسعة ) أن يكون من قواعد التشريع ان ما نفذه الامام من الاعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا ينقض وإن ظهر أنه كان خطأ . ومن ذلك أنه ( ص ) لما شرع في تنفيذ رأي الجمهور في الخروج إلى أحد على خلاف رأيه ثم راجعوه فيه وفوضوا إليه الأمر في الرجوع فلم يرجع وقال في ذلك كلمته العظيمة التي تعمل بها دول السياسة الكبرى إلى هذا العصر لحسنها لا لاتباعه ( ص ) فتراجع في ( ص 96 - 98 ج 4 )
هذا ما فتح اللّه تعالى به وهو مخالف لما ذهب اليه العلامة ابن القيم في الهدي ، وأشار اليه الحافظ في الفتح ، تارة معزوا اليه وتارة بغير عزو ، واننا ننقله بنصه ، ونقفي عليه بما نراه ناقضا له ، مع الاعتراف لأستاذنا ابن القيم بالإمامة