ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم ؟ ( قلت ) ان للّه تعالى في ذلك لحكما أذكر ما ظهر لي منها :
( الحكمة الأولى ) عمل الرسول ( ص ) برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من اللّه تعالى وهو ركن من أركان الاصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر أمم البشر في دولها القوية في هذا العصر ، كما عمل ( ص ) برأيهم الذي صرح به الحباب ابن المنذر في منزل المسلمين يوم بدر وتقدم ( في ص 611 ج 9 ) وقد كان هذا من فضائله ( ص ) ثم فرضه اللّه عليه في غزوة أحد بقوله ( 3 : 159
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
- ص 199 ج 4 )
( الحكمة الثانية ) بيان أن الجمهور قد يخطئون ولا سيما في الأمر الذي لهم فيه هوى ومنفعة . ومنه يعلم أن ما شرعه تعالى من العمل برأي الأكثرين فسببه انه هو الأمثل في الأمور العامة لا انهم معصومون فيها
( الحكمة الثالثة ) أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده ولكن اللّه تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء ، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن اللّه تعالى لا في الرأي والاجتهاد . ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات اللّه وسلامه عليه بمكة في الاعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد اللّه بن أم مكتوم ( رض ) حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الاسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته فعاتبه اللّه تعالى على ذلك بقوله
( 80 : 1 عَبَسَ وَتَوَلَّى * 2 أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى )
إلى قوله تعالى ( 11
كَلَّا
)
( الحكمة الرابعة ) ان اللّه تعالى يعاتب رسوله على الخطأ في الاجتهاد مع حسن نيته فيه ويعده ذنبا له ويمن عليه بعفوه عنه ومغفرته له على كون الخطأ في الاجتهاد معفوا عنه في شريعته ، لأنه في علو مقامه وسعة عرفانه يعد عليه من مخالفة الأولى والأفضل والأكمل ما لا يعد على من دونه من المؤمنين ، على قاعدة : حسنات الأبرار سيئات المقربين « 1 » ومثال ذلك قوله تعالى له لما أذن بالتخلف عن غزوة تبوك لبعض المنافقين
( 9 : 43 عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ )
فهذه أمثلة ذنوبه صلّى اللّه عليه وسلّم تسليما ، المغفورة بنص قوله تعالى
( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً )
والذنب ما له عاقبة ضارة أو مخالفة للمصلحة تكون وراءه كذنب الدابة وإن لم يكن معصية
هامش
( 1 ) هذه الكلمة للعارف أبي سعيد الخراز الصوفي وقد اشتهرت لحسنها حتى حسبها بعض الناس حديثا نبويا