أو مؤمنين من قبل أن يحله اللّه لكم . وقال ابن جرير في تفسير هذه الجملة : وخافوا اللّه أن تعودا أن تفعلوا في دينكم شيئا بعد هذا من قبل أن يحل لكم
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قال : غفور لذنوب أهل الايمان من عباده رحيم بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها . اه وفسر بعضهم الاسمين الكريمين هنا بما يقتضيه المقام من مغفرته تعالى لذنبهم بأخذ الفداء وايثار جمهورهم لعرض الدنيا على ما يقتضيه ايثار الآخرة من طلب الاثخان في الأرض أولا ، لاعزاز الحق وأهله ، باذلال الشرك وكبت حزبه - ومن رحمته بهم بإباحة ما أخذوا والانتفاع به . والأقرب تفسيره بأنه غفور للمتقين رحيم بهم « 1 »
* * * وجملة القول في تفسير الآيات الثلاث أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء اللّه الكافرين لئلا يفضي أخذه الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم وعدوانهم عليهم - وأن ما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا على ما كان من ذنب أخذهم لهم قبل الاثخان الذي تقتضيه الحكمة باعلاء كلمة اللّه تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، ولولا ذلك لسألوا الرسول ( ص ) عنه ، كما سألوه عن الأنفال من قبله ، - وانه لولا كتاب من اللّه سبق مقتضاه عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته وبالغ حكمته لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك - وأنه تعالى أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم واللّه غفور رحيم
( فان قيل ) تبين بعد نزول هذه الآيات ان ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا للمؤمنين ، ولا مزيدا في شوكة المشركين ، بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بينها المحقق ابن القيم من بضعة وجوه - وسيأتي سردها - ( قلنا ) ما يدرينا ما ذا كان يكون لو عمل المسلمون بما دلت الآية الأولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الاسرى يومئذ ؟ على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة ، وسنة أنبياء الرحمة ، أليس من المعقول أن يكون ذلك مرهبا للمشركين ، وصادا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين ، وأخذ الثأر منهم في أحد ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات ؟
( فان قيل ) وما حكمة اللّه تعالى في ترجيح رسوله لرأي الجمهور المرجوح بحسب القاعدة أو السنة الإلهية التي كان عليها الأنبياء قبله وهو أرجحهم ميزانا ، وأقواهم برهانا ،
هامش
( 1 ) راجع في هذا المعنى تفسير آية ( 29 في ص 647 - 650 ج 9 )