قول من قال إن المراد به ذلك فيكون خطأ عند من فسره بغيره مما تقدم بل هو خطأ مطلقا فإنه استدلال على استحلال الشيء قبل ورود الشرع باحلاله وهو ظاهر البطلان
( 3 ) المرجع الثالث موافقته الرحمة التي سبقت الغضب ، وهو خطأ أيضا فان سبق رحمة اللّه تعالى لغضبه لا يقتضي أن ترجح الرحمة على الغضب من عباده ولا منه وهو أرحم الراحمين في كل شيء والا لما كانت المسألة مسألة سبق للرحمة على الغضب بل كانت تكون مسألة رحمة بلا غضب . فالذي افادته الآيتان الأوليان أن رحمة الكفار بأسر مقاتلتهم ثم المنّ عليهم أو مفاداتهم في حال ضعف المؤمنين ليست من شأن أنبياء اللّه تعالى وسنتهم ولا مما ينبغي أن يقع منهم ولا من أتباعهم الصادقين قبل الاثخان في الأرض . وقد وصف اللّه اتباع رسوله بقوله
( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ )
وقال لرسوله
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) *
ومن المعقول المجرب أن وضع الرحمة في غير موضعها وغير وقتها المناسب لها ضار كما قال أبو الطيب المتنبي :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى * مضر كوضع السيف في موضع الندى
ومن المثلات والعبر في هذا أن المسلمين أباحوا في حال عزتهم وسلطانهم لأهل الملل الأخرى حرية واسعة في دينهم ومعاملاتهم في بلاد الاسلام عادت على المسلمين ودولهم بأشد المضار والمصائب في طور ضعفهم كامتيازات الكنائس ورؤساء الأديان التي جعلت كل طائفة منهم ذات حكومة مستقلة في داخل الحكومة الاسلامية ومن ذلك ما يسمونه في هذا العصر بالامتيازات الأجنبية التي كانت فضلا واحسانا من ملوك المسلمين فصارت امتيازات عليهم مذلة لهم مفضلة للأجنبي عليهم في عقر دارهم حتى أن الصعلوك من أولئك الأجانب صار أعز فيها من أكابر أمرائهم وعلمائهم
( 4 ) المرجح الرابع تشبيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكل من صاحبيه ووزيريه ( رض ) بنبيين من المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم - وهذا التشبيه لا يدل على الترجيح بحال من الأحوال فان ما ذكره ( ص ) من وجهي الشبه لكل منهما انما كان يدل عليه لو كان عندنا دليل على أن ما قاله إبراهيم وعيسى في أقوامهما في محله وان ما قاله نوح في قومه وموسى في فرعون وقومه في غير محله ، ولكن ثبت أن اللّه تعالى استجاب لنوح دعاءه على قومه
( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً )
ولموسى دعاءه على فرعون وقومه
( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ )
ورأينا المفسرين يعدون من المشكل على قواعد العقائد الاسلامية قول إبراهيم
( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وتأوله بعضهم بأنه