وأقول ان هذا الذي ذكره الرازي على طريقة المعتزلة تعليل حسن لمغفرة اللّه تعالى لأهل بدر ما يحتمل ان يقع منهم من الذنوب ، وهو موافق لمذهب أهل السنة ونصوص القرآن في تغليب الحسنات على السيئات ، ولكنه لا يتجه في تفسير الآية ، وما ذكره على مذهب الأشعرية مثله في هذا ، فما اعتمده أضعف مما رده وأبطله .
وقد أشرنا آنفا إلى احتمال تفسير الكتاب الذي سبق بقوله تعالى في هذه السورة
( 8 : 33 وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )
وقد تقدم تفسيره وهو - وإن كان قد نزل في المشركين - أولى أن يكون للمؤمنين أو هم أحق به وأولى ، وهل يصح أن يمتنع نزول العذاب بالمشركين وفيهم نبي الرحمة ( ص ) وهم يؤذونه ويصدون عنه ، ولا يمتنع نزوله بالمؤمنين به الناصرين له وهو فيهم وهم يستغفرونه تعالى حق الاستغفار لتوحيدهم إياه وعدم إشراكهم أحدا ولا شيئا في عبادته ؟ ولا أذكر أنني رأيته لاحد على شدة ظهوره ، وتألق نوره ، ولكنه خاص بعذاب الاستئصال ، ومن البعيد جدا أن يكون هو المراد أو يشمل كل عذاب عام كما تشير اليه روايات استثناء عمر وسعد ( رض ) ، ويصح تسمية هذا كتابا بمعنى كونه قضاء سبق وكتب في أم الكتاب ، أو بمعنى انه تعالى كتبه على نفسه كما قال
( 6 : 54 كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وقد فسر بعضهم الكتاب الذي سبق بهذه الرحمة بناء على أنهم يتوبون مما ذكر بعد إنكاره عليهم ، ويصلحون عملهم بما يذهب بتأثيره من أنفسهم ، وكذلك كان ،
ويجوز أن يكون المراد بالكتاب الذي سبق ما قضاه اللّه تعالى وقدره من أعمار هؤلاء الاسرى وايمان أكثرهم . والمختار عندنا وفاقا لما ذهب اليه ابن جرير هو جواز إرادة كل ما يحتمله اللفظ من المعاني التي ذكر بعضها في رواياته وان هذا سبب تنكيره وابهامه
ثم إنه تعالى أباح لهم أكل ما أخذوه من الفداء وعده من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول هذه السورة وفي قوله في أول هذا الجزء
( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ )
الخ فقال
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً
أي وإذ كان اللّه تعالى قد سبق منه كتاب في أنه لا يعذبكم أو يقتضي أن لا يعذبكم بهذا الذنب الذي خالفتم به سنته وهدي أنبيائه فكلوا مما غنمتم من الفدية حالة كونه حلالا باحلاله لكم الآن طيبا في نفسه لا خبث فيه مما حرم لذاته كالميتة ولحم الخنزير - واجعلوا باقية في المصالح التي بينت لكم في قسمة الغنائم
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في العود إلى أكل شيء من أموال الناس كفارا كانوا