تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
التخفيف في الآية التالية وكون المقام مقام التشريع لا الاخبار ، وأما استدلالهم عليه بعدم مطابقة الخبر للواقع ففيه ما سيأتي من مطابقته للواقع عند استكمال شروطه في درجتي العزيمة والرخصة . ومعنى اللفظ الخبري إن يوجد منكم عشرون صابرون يغلبوا بتأثير ايمانهم وصبرهم وفقههم مائتين من الذين كفروا المجردين من هذه الصفات الثلاث وهل هم الذين تقدم وصفهم في الآيتين ( 55 و 56 ) من هذا السياق على القاعدة في إعادة المعرفة ؟ أم يعد هذا سياقا آخر فيعم نصه كل الكفار المتصفين بما بينه من سبب هذا الغلب في منطوق
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
وفي مفهوم وصف المؤمنين بالصابرين ؟ وجهان أوجههما الثاني والمعنى الانشائي له انه يجب في حال العزيمة والقوة أن يكون جماعة المؤمنين الصابرين أرجح من الكفار بهذه النسبة العشرية سواء قلوا أو كثروا . بحيث يؤمرون بقتالهم وعدم الفرار منهم إذا بدءوهم بالقتال ، ولذلك ذكر النسبة بين العشرات مع المئات وبين المائة مع الألف وهو نهاية أسماء العدد عند العرب . ونكتة إيراد هذا الحكم بلفظ الخبر الإشارة إلى جعله بشارة بان المؤمنين الصابرين الفقهاء يكونون كذلك فعلا ، وكذلك كانوا كما ترى بيانه في تفسير الآية التالية ومعنى هذا التعليل أن هذه النسبة العشرية بين الصابرين منكم وبينهم بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما تفقهون من حكمة الحرب ، وما يجب أن تكون وسيلة له من المقاصد العالية في الايجاب والسلب ، وما يقصد بها من سعادة الدنيا والآخرة ، ومرضاة اللّه عز وجل في إقامة سننه العادلة ، وإصلاح حال عباده بالعقائد الصحيحة والآداب العالية ، ومن وجوب مراعاة أحكامه وسننه ووعوده تعالى فيها باعداد كل ما يستطاع من قوة مادية ، ومرابطة دائمة ، ومن قوة معنوية كالصبر والثبات ، وعدم الفرار من الزحف إلا تحيزا إلى فئة أو تحرفا لقتال ، وذكر اللّه تعالى واستمداد نصره في تلك الحال ، ومن كون غاية القتال عند المؤمن إحدى الحسنيين : النصر والغنيمة الدنيوية ، أو الشهادة والسعادة الأخروية ، وغير ذلك مما مر أكثره في هذا السياق ، وهو كاف في تفسير القرآن بالقرآن . وذلك كله بخلاف حال الكافرين ولا سيما منكري البعث والجزاء كمشركي العرب في ذلك العهد ، وكذلك اليهود الذين غلبت عليهم المطامع المادية وحب الشهوات ، فأغراض الفريقين من القتال حقيرة خسيسة مؤقتة يصرفهم عن الصبر والثبات فيها اليأس من حصولها ، وهم أحرص من المؤمنين على الحياة لعدم ايمان المشركين منهم بسعادة الآخرة ولغرور أهل الكتاب بحصولها