تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وأما قوله تعالى في تعليل هذا الغلب ( باذن اللّه ) فقد فسروه هنا بإرادته ومشيئته تعالى ، وأصل الاذن في اللغة إباحة الشيء والرخصة في فعله ولا سيما إذا كان الشأن فيه أن يكون ممنوعا فيكون حاصل الاذن إزالة المنع وهي إما أن تكون بالقول لمن يقدر على الفعل ، وإما أن تكون بالفعل لمن لا يقدر عليه ، فالاذن من اللّه تعالى إما أمر تكليف أو إباحة وترخيص وهو من متعلق صفة الكلام فالأول - كقوله تعالى
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا )
وقوله وما أرسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه ) والثاني كقوله تعالى
( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ )
وقوله
( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ )
وقوله
( وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ )
- وإما أمر تكوين أي بيان لسنة اللّه تعالى أو فعله أو تقديره أو اقداره لمن شاء على ما شاء فيكون من متعلق الإرادة ومن متعلق القدرة كقوله تعالى للمسيح عليه السّلام
( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي )
وقوله
( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ )
أي بقدرته وإرادته وكقوله
( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ )
أي باقداره ومعونته وتوفيقه ، وفي معناها هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها وقد ختم كل منهما بقوله تعالى
( وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
وهذه المعية لا ندرك حقيقتها وكنهها وانما نعلم علم يقين أن من كان اللّه تعالى معه فهو الغالب المنصور ولن يغلبه أحد ، فنفسرها بمعية المعونة والنصر ، كما تقدم في تفسير مثل هذه الجملة من الآية 46 من هذه السورة في سياق الحرب وغزوة بدر ، وقد أحلت فيه على تفسير مثل تلك الجملة من سورة البقرة وهو قوله
( 2 : 153 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
وقد قلت هناك : ثم قال
( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
ولم يقل معكم ليفيد أن معونته انما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم . ومن المفيد أن يراجع القارئ تفسير تلك الآية ( في ص 38 ج 2 تفسير ) فإنه يفيد في اتمام معنى ما هنا وذهب بعض المفسرين إلى أن آية العزيمة من هاتين الآيتين منسوخة بآية الرخصة التي بعدها بدليل التصريح بالتخفيف فيها ، ولكن الرخصة لا تنافي العزيمة ولا سما وقد عللت هنا بوجود الضعف ونسخ الشيء لا يكون مقترنا بالامر به وقبل التمكن من العمل به ، وظاهر أن الآيتين نزلتا معا . وروى البخاري عن ابن عباس ( رض ) قال : لما نزلت
( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ )
شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف فقال ( الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين )
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 80 | الشيخ محمد رشيد رضا