هذا وان المراد بالمؤمنين هنا جماعتهم من المهاجرين والأنصار كما تقدم في الآيتين السابقتين لهذه الآية ولا سيما الذين شهدوا بدرا منهم لا في الأنصار وحدهم كما قيل هنا وهناك فان جل هذه السورة نزل في شأن تلك الغزوة الكبرى كما تقدم أيضا ، وعن الكلبي ان هذه الآية نزلت قبلها . وروي عن ابن عباس ان هذه الآية نزلت عندما أسلم عمر بن الخطاب ( رض ) وصار المسلمون باسلامه أربعين نسمة منهم ست نسوة . رواه البزار من طريق عكرمة بسند ضعيف وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه بسند صححه السيوطي وفيه نظر ورواه عنه الطبراني أيضا وأخرج أبو الشيخ مثله عن سعيد بن المسيب . ومقتضى هذا أن الآية مكية والسورة مدنية بالاجماع ، ولا يظهر معناها الذي قررناه الا في وقت نزول سورتها ، ولا المعنى الآخر المرجوح الذي أراده واضع الرواية فيما يظهر فان أولئك الأربعين لم تتحقق بهم كفاية الأحساب بالنصر على الكفار ولا بأمن شرهم واضطهادهم للمؤمنين بل اضطرهم المشركون إلى الهجرة العامة بعد هجرة الحبشة الخاصة . ولما ضمن اللّه تعالى احسابه لنبيه وللمؤمنين قال
* * *
* * *
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
قال الراغب : التحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض نحو مرّضته وقذيته أي أزلت عنه المرض والقذى اه والحرض بالتحريك المشفي أي المشرف على الهلاك . ويطلق على ما لا خير فيه وما لا يعتد به وهو مجاز كما في الأساس .
وقال الزجاج التحريض في اللغة أن يحث الانسان على شيء حتى يعلم أنه مقارب للهلاك - أي إن لم يفعله
والمعنى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ، ورغبهم فيه . لدفع عدوان الكفار ، وإعلاء كلمة الحق والعدل وأهلها ، على كلمة الباطل والظلم وأنصارهما ، لأنه من ضرورات الاجتماع البشري وسنة التنازع في الحياة والسيادة كما تقدم بيانه في تفسير هذا السياق ، ويشير اليه هنا اختيار التحريض على ما هو في معناه العام كالتحضيض والحث كأنه يقول حثهم على ما يقيهم أن يكونوا حرضا أو يكونوا من الهالكين ، بعدوان الكافرين عليهم وظلمهم لهم إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين
ثم قال
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
هذا شرط بمعنى الأمر فهو خبر يراد به الانشاء بدليل