تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
قرأ الجمهور ضعفا بضم الضاد وعاصم وحمزة بفتحها على أنه مصدر وعن الخليل أن الضم لما كان في البدن والفتح لما كان في الرأي والعقل أو النفس . وقرأ أبو جعفر ( وعلم أن فيكم ضعفاء ) جمع ضعيف ، وقد تقدم بيان حال ضعفاء المسلمين الذين كانوا يكرهون القتال في بدر وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى في هذه السورة
( 6 يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ )
فالضعف على هذا عام يشمل المادي والمعنوي ، والمعنى أن أقل حالة للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجح المائة منهم على المائتين والألف على الألفين ، وان هذه الحالة رخصة خاصة بحال الضعف ، كما كان عليه المؤمنون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات وهو وقت غزوة بدر ، فقد تقدم ان المؤمنين كانوا لا يجدون ما يكفيهم من القوت ، ولم يكن لديهم الا فرس واحد ، وانهم خرجوا بقصد لقاء العير غير مستعدين للحرب ، ومع هذا كله كانوا أقل من ثلث المشركين الكاملي العدة والأهبة . ولما كملت للمؤمنين القوة ، كما أمرهم اللّه تعالى أن يكونوا في حال العزيمة - كانوا يقاتلون عشرة اضعافهم أو أكثر وينتصرون عليهم ، وهل تم لهم فتح ممالك الروم والفرس وغيرهم الا بذلك ؟ وكان القدوة الأولى في ذلك أصحاب رسول اللّه ( صلوات اللّه وسلامه عليهم ) في عهده ومن بعده ! كان الجيش الذي بعثه ( ص ) إلى مؤتة من مشارف الشام للقصاص ممن قتلوا رسوله ( الحارث بن عمير الأزدي ) إلى أمير بصرى ثلاثة آلاف ، وأقل ما روي في عدد الجيش الذي قاتلهم من الروم ومتنصرة العرب مائة وخمسون ألفا ، وروى الواحدي في البسيط انه كان مائة الف من الروم ومائة الف من عرب لخم وجذام ، فمن شك أو شكك في هذين العددين من المسلمين والروم في هذه الغزوة فما ذا يقول في وقعة اليرموك الشهيرة ؟ روى المؤرخون ان الجموع التي جمعها هر قل للمعركة الفاصلة فيها بينه وبين العرب من الروم والشام والجزيرة وأرمينية كانت زهاء مائتي الف وكان يأتيها المدد خشية الهزيمة وكان عدد جيش الصحابة ( رض ) أربعة وعشرين ألفا ، ورووا ان قتلى الروم بلغت سبعين ألفا - فمن شك أو ماري في العدد في هذه المعركة وغيرها من المعارك الفاصلة المعينة فهل يمكنه ان يماري في القدر المشترك في جملة المعارك التي فتح بها الصحابة ( رض ) تلك الممالك الواسعة على قلة عددهم ، وكونهم كانوا في مجموعها أو أكثرها أقل من عشر أعدائهم ؟ أنى وهو عين التواتر المعنوي الذي يفيد علم اليقين ؟