لما أمر اللّه تعالى رسوله في الآية 61 أن يجنح للسلم إذا جنح لها الأعداء وكان جنوح الأعداء لها مظنة الخداع والمكر كما تقدم قريبا في تفسيرها وعده عز وجل في الآية 62 بأن يكفيه أمرهم إذا هم أرادوا التوسل بالصلح إلى الحرب ، أو غيرها من الايذاء والشر ، وامتن عليه بما يدل على كفايته إياه وهو تأييده له بنصره وبالمؤمنين إذ سخرهم له وألف بين قلوبهم باتباعه . ثم إنه تعالى وعده بكفايته له ولهؤلاء المؤمنين الذين ألف قلوبهم عليه في حال الحرب كحال السلم وفي كل حال ، وجعل هذا الوعد تمهيدا لما بعده من أمره بتحريضهم على القتال ، عند الحاجة اليه من بدء العدو بالحرب ، أو خيانتهم في الصلح ، أو نقضهم للعهد ، أو غير ذلك فقال
* * *
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي إن اللّه تعالى هو كاف لك كل ما يهمك من أمر الأعداء وغيره وكاف لمن أيدك بهم من المؤمنين - فالحسب في تلك الآية كفاية خاصة به ( ص ) في حال خاصة ، وفي هذه كفاية عامة له ولمن اتبعه من المؤمنين في كل حال من قتال أو صلح يفي به العدو أو يخون ، وفي غير ذلك من الشؤون . ويحتمل أن يكون العطف على معنى : وحسبك من اتبعك من المؤمنين أي فإنه ينصرك بهم . ولكن مقتضى كمال التوحيد هو الأول وهو كفاية اللّه تعالى له ولهم كما قال تعالى في المؤمنين في سياق غزوة أحد أو غزوة حمراء الأسد
( 3 : 173 الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )
فالحسبلة مقتضى التوكل وانما يكون التوكل على اللّه وحده كما قال لنبيه ( 39 : 38
قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ
فليتوكل
الْمُتَوَكِّلُونَ
) أي عليه وحده بدلالة تقديم الظرف ومثله في هذا الحصر آيات كثيرة . وقال في المنافقين
( 10 : 59 وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ )
أي لكان خيرا لهم ، علمهم اللّه تعالى أن يسندوا الاعطاء من الصدقات إلى اللّه لأنه المعطي الذي فرض الصدقات وأوجبها ، وإلى رسوله لأنه هو الذي يقسمها - وان يسندوا كفاية الأحساب إلى اللّه وحده وتكون رغبتهم إلى اللّه وحده ، ولم يأمرهم ان يقولوا : حسبنا اللّه ورسوله ، إذ لا يكفي العباد إلا ربهم وخالقهم كما قال تعالى
( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ )
ولا سيما الكفاية الكاملة التي يعبر عنها بحسبك أي التي يقول فيها المكفي حسبي حسبي ، وهي المرادة هنا كما تقدم . وإذا كان دأب آحاد المؤمنين وهجيراهم « حسبنا اللّه ونعم الوكيل » فأنبياء اللّه ورسله أولى بهذا لأنهم أكمل توحيدا وتوكلا من غيرهم . وناهيك بخاتمهم وأفضلهم ( ص ) ثم ناهيك بوعد اللّه تعالى إياه بهذه