تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
لهم بنسبهم وشفاعة أنبيائهم وإن لم يسعوا لها سعيها ، كما تقدم في بيان حالهم من سورة البقرة ، ومنه قوله تعالى
( 2 : 96 وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ )
الآية وقد حققنا معنى الفقه والفقاهة في مواضع أوسعها بيانا وتفصيلا تفسير قوله تعالى
( 7 : 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )
الخ ففيه بيان لما في القرآن من استعمال هذه المادة في المواضع المختلفة ومنها القتال وذكرنا من شواهد هذا النوع هذه الآية التي نزلت في المشركين وقوله تعالى في اليهود الذين قاتلوا النبي ( ص ) ونصروا المشركين عليه
( 59 : 13 لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ )
فراجعه يزدك علما بما هنا ( وهو في ص 418 - 426 ج 9 تفسير ) فالفقه الذي هو العلم بالحقائق المتعلقة بالحرب من مادية وروحية ركن من أركان النجاح ، وسبب للنصر جامع لسائر الأسباب . والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم ، وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين . وهكذا كان المسلمون في قرونهم الأولى والوسطى بهداية دينهم على تفاوت علمائهم وحكامهم في ذلك ، حتى إذا ما فسدوا بترك هذه الهداية التي سعدوا بها في دنياهم فكانوا أصحاب ملك واسع وسيادة عظيمة ، دانت لهم بها الشعوب الكثيرة - زال ذلك المجد والسؤدد ، ونزع منهم أكثر ذلك الملك ، وما بقي منه فهو على شفا جرف هار ، وانما بقاؤه بما يسمى في عرف علماء العصر بحركة الاستمرار ، إذ صاروا أبعد عن العلم والفقه الذي فضلوا به غيرهم من المشركين ومن أهل الكتاب جميعا ، ثم انتهى المسخ والخسف بأكثر الذين يتولون أمورهم إلى اعتقاد منافاة تعاليم الاسلام للملك والسيادة والقوة والعلوم والفنون التي هي قوامها ، فصاروا يتسللون من الاسلام أفرادا ، ثم صرح جماعات من زعمائهم ورؤسائهم بالكفر به والصد عنه جهارا ، ولكن بعد أن صار علماؤهم يعادون أكثر تلك العلوم والفنون التي أرشدهم إليها القرآن ، وأوجب منها ما يتوقف عليه الجهاد في سبيل اللّه والعمران ، وبعد أن بين اللّه تعالى هذه المرتبة العليا للمؤمنين التي ينبغي أن تكون لهم في حال القوة وهو ما يسمى بالعزيمة ، قفى عليه ببيان ما دونها من مرتبة الضعف وهي ما يسمى الرخصة ، فقال
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . فَإِنْ يَكُنْ