لهم ، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له ويقول « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » رواه ابن حبان في صحيحه من حديث سهل بن سعد وروى مثله الشيخان من حديث ابن سعود قال : كأني أنظر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول - وذكره . وفي مسلم « رب اغفر » الخ . قال بعض العلماء انه صلّى اللّه عليه وسلّم يعني نفسه حين شجوا رأسه في أحد ، فهو الحاكي والمحكي عنه . والاستغفار للمشركين في جملتهم لا يدخل في معنى قوله تعالى الآتي في هذه السورة
( 114 ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ )
لان النهي هنا عن الاستغفار لمن تبين للنبي انه من أصحاب الجحيم ولا سيما بعد الموت على الشرك لا للاحياء غير المعينين ، وهؤلاء المنافقون المعنيون هنا من هذا القبيل لأنهم هم المعينون الذين أخبره اللّه بكفرهم فيما تقدم وفيما سيأتي ، ولذلك بين سبب عدم مغفرته لهم بقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
اي ذلك الامتناع من المغفرة بسبب كفرهم بالله ورسوله ، فهم لا يوقنون بما وصف به نفسه من العلم بسرهم ونجواهم ولسائر الغيوب ، ولا بوحيه لرسوله وما أوجبه من اتباعه ، ولا ببعثه للموتى وحسابهم وجزائهم ، وليس سببه عدم الاعتداد باستغفارك أيها الرسول لهم فان شرط قبوله مع قابلية المغفرة وضعه في موضعه ، وهو ما سبق في سورة النساء
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً )
يعني ان المغفرة إنما وعد بها التائبون المستغفرون من ذنوبهم إذا استغفرت لهم . وهؤلاء كفار في باطنهم ، مصرون على كفرهم ، فاسقون عن امر ربهم
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
أي جرت سنته في الراسخين في فسوقهم وتمردهم المصرين على نفاقهم ، الذين أحاطت بهم خطاياهم ان يفقدوا الاستعداد للتوبة والايمان فلا يهتدون اليهما سبيلا ، وتقدم وصفهم بهذا الفسوق في الآية ( 67 ) ومثل هذه الجملة بنصها في الآية ( 37 ) من هذه السورة
وقد ذكر الرازي وتبعه الآلوسي في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس ( رض ) انه لما نزل قوله تعالى
( سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ )
سأله عليه الصلاة والسّلام اللامزون الاستغفار لهم فهم أن يفعل ، فنزلت فلم يفعل . وقيل نزلت بعد أن