غيرها ؟ قال له صلّى اللّه عليه وسلّم « لا ، إلا أن تطوع » أي تتطوع وتتبرع من تلقاء نفسك
ولا يظهر كون التطوع هنا بمعنى التبرع بالغزو إذ الكلام خاص بغزوة تبوك وقد تقدم أن النفر إليها كان واجبا على كل من قدر عليه لان اللّه قد استنفر المؤمنين لها ، ووبخ المتثاقلين عنها ، وقال
( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
ولكن يصح أن يكون المراد بالمطوعين ما يدل عليه المعنى اللغوي العام وهم الذين نفروا للجهاد بأموالهم وأنفسهم طاعة لله ولرسوله من غير أن يكره أحد منهم على ذلك أو يطلب بشخصه له . وأظهر منه أن يراد هنا التطوع بالصدقات وهو المختار عندنا ، على أن اللمز واقع في شأنها وما يتعلق بصفتها ومقدارها ، لا متعلق بها نفسها ، وهو الواقع المعقول ، والمنقول في سبب النزول الآتي
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم ، والجهد بالضم والفتح الطاقة وهي أقصى ما يستطيعه الانسان ، مأخوذ من طاقة الحبل وهي الفتلة الواحدة والفتيل من الفتل التي يتألف منها ، وتسمى قوة وجمعها قوى - كما بيناه في تفسير
( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ )
من آيات الصيام . والمراد بهم الفقراء الذين تصدقوا بقليل هو مبلغ جهدهم وآخر طاقتهم ، وعطفهم على المطوعين من عطف الخاص على العام تنويها بهم ، لان مجال لمزهم وعيبهم عند المنافقين أوسع ، والسخرية منهم في عرفهم أشد ، وإن كانوا أجدر بالثناء والاكبار عند المؤمنين ، ولذلك قيل إنهم هم المراد بقوله تعالى
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ
أي يستهزءون بهم احتقارا لما جاؤوا به وعدّا له من الحماقة والجنون في الدين ، وقيل إنه عام يشمل المكثرين والمقلين
قال تعالى في بيان جزاء هؤلاء اللامزين الساخرين
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
هذا التعبير يسمى مشاكلة ، وما هو الا العدل في جزاء المماثلة ، أي جزاهم بمثل ذنبهم فجعلهم سخرية للمؤمنين وللناس أجمعين ، بفضيحته لهم في هذه السورة ببيان هذا الخزي وغيره من مخازيهم وعيوبهم ، ولهم فوقه عذاب أليم تقدم بيانه في هذا السياق بهذا اللفظ وغيره