تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
مع المؤمنين من استثقالهم للجهاد واستئذانهم في التخلف عنه وظهور أمارات نفاقهم في الأقوال والافعال وفضيحتهم فيها ، ووعيدهم عليها ، وعلى نفاقهم الصادرة عنه . وما كان من ذلك في أثناء السفر والعودة منه . وانتهى ذلك بالآية الثمانين وعاد الكلام في هذه الآيات إلى بيان حال الذين تخلفوا عن القتال وظلوا في المدينة وما يجب من معاملتهم بعد الرجوع إليها ، وكل هذا قد نزل في أثناء السفر . قال عز وجل : * * *
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
الفرح شعور النفس بالارتياح والسرور ، والخلاف مصدر خالفه يخالفه كالمخالفة ، واستعمل ظرفا بمعنى بعد وخلف ، قال في الأساس : وجلست خلاف فلان وخلفه اي بعده . اه . ومنه
( 17 : 75 وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ، وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا )
وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص . وقرأ الباقون ( خلفك ) واستشهد اللسان على هذه اللغة ببضعة شواهد ، وههنا يصح المعنيان والمخلفون اسم مفعول من خلف فلانا وراءه ( بالتشديد ) إذا تركه خلفه . والمعنى فرح المخلفون من هؤلاء المنافقين أي الذين تركهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عند خروجه إلى غزوة تبوك بقعودهم في بيوتهم مخالفين للّه تعالى وله ، وهذا المعنى أصح هنا ، وانما فرحوا لأنهم لا يؤمنون بما في الخروج معه من الاجر العظيم الذي لا تذكر بجانبه راحة القعود في البيوت شيئا
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
أي قالوا لاخوانهم في النفاق لا تنفروا معه في الحر ، نهيا لهم عن المعروف واغراء بالثبات على المنكر . وهو عدم النفر ، أو قالوه تثبيتا لهم فيه ، وتثبيطا للمؤمنين عنه
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
اي قل أيها الرسول تفنيدا لقولهم وتسفيها لحلومهم : نار جهنم التي أعدها اللّه تعالى لمن عصاه وعصى رسوله أشد حرا من تلك الأيام في أوائل فصل الخريف فهو لا يلبث ان يخف ويزول ، على كونه مما تحتمله الجسوم ، واما نار جهنم فحرها على شدته دائم ، فهو يلفح وجوههم ، وينضج جلودهم ، وينزع شواهم ،