وفي هذا أكبر عبرة لمن يتركون الجهاد وغيره من الواجبات إيثار للراحة والنعيم وما يفعله في حال وجوبه عليهم الا المنافقون . ثم قال :
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
اي لو كانوا يعقلون ذلك ويعتبرون به لما خالفوا وقعدوا ، ولما فرحوا بقعودهم إذ أجرموا فقعدوا ، بل لحزنوا واكتأبوا ، وبكوا وانتحبوا ، كما فعل المؤمنون الذين أرادوا الخروج والنفقة فعجزوا ، وسيأتي بيان حالهم قريبا
* * *
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
في هذا الامر بقلة الضحك وكثرة البكاء وجوه ( أحدها ) وهو المختار عندنا ان هذا هو الأجدر بهم ، بل الواجب عليهم بحسب ما تقتضيه حالهم ، وتستوجبه جريمتهم ، لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف والخلاف من اجر ، وما سيحملون في الآخرة من وزر ، وما يلاقون في الدنيا من خزي وضر ، فهو خبر في صيغة أمر ، نكتته أنه امر مبني على واجب مقرر ، ( ثانيها ) ان هذا ما يكون من أمرهم في الدنيا فلن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي أستارهم ، وكشف عوارهم ، وامر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم ، وعدم الاعتداد بما يظهرون من اسلامهم ( ثالثها ) ان المراد بالضحك القليل ما سيكون منهم في الدنيا بعد الفضيحة ، وهو قليل بالنسبة إلى ما كان من ماضيهم مع المؤمنين ، وبالنسبة إلى حياتهم في هذه الدنيا ، وبالبكاء الكثير ما سيكون منهم في الآخرة ، وهو على كل حال إنذار مقابل لما ذكر من فرحهم بالتخلف مثبت انه فرح عاقبته الحزن والكآبة ، والخيبة والندامة ، في الدنيا ويوم القيامة .
وفي معنى الآية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » متفق عليه بل رواه الجماعة إلا أبا داود من حديث أنس .
ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ « لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا :
يظهر النفاق ، وترتفع الأمانة ، وتقبض الرحمة ، ويتهم الأمين ، ويؤتمن غير الأمين ، أناخ بكم الشرف الجون ، الفتن كأمثال الليل المظلم » الشرف بضمتين جمع شارف وهي الناقة العالية السن ، والجون السوداء ، أي الفتن الكبيرة المظلمة ، فهو تشبيه ، وروي بالقاف أي التي تأتي من قبل مشرق المدينة .