وكان من شمائله ( ص ) طلاقة الوجه والبشاشة في وجوه جميع من يلقاهم حتى الكفار والمنافقين ، روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عائشة ان رجلا استأذن على النبي ( ص ) فلما رآه قال « بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة » فلما جلس تطلق النبي ( ص ) في وجهه وانبسط اليه ، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة :
يا رسول اللّه حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت اليه ، فقال رسول اللّه ( ص ) « يا عائشة متى عهدتني فاحشا ؟ ان شر الناس عند اللّه منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره » وكان ذلك الرجل على الراجح عيينة بن حصن الذي تقدم ذكره في المؤلفة قلوبهم في سياق قسمة الغنائم بعد غزوة حنين وسياق مصارف الزكاة ، وكان سيد قومه على حماقته فلقب بالأحمق المطاع وقد أسلموا تبعا له فكان اسلامهم أصح من اسلامه
ولا تعارض بين الحديثين لان حديث عائشة في شمائل النبي وآدابه العامة ، وحديث ابن مسعود في معاملة خاصة بالمنافقين والكفار هي من قبيل العقوبة ، فالأول بمعنى قوله تعالى
( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )
وفي معناه أحاديث كثيرة ، والثاني مفسر للآية التي نحن بصدد تفسيرها وفي معناها قوله تعالى
( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً )
والغلظة في اللغة الخشونة والشدة ، ومعاملة العدو المحارب بهما من الشيء في موضعه ، ومعاملته باللين والرحمة وضع لهما في غير موضعهما
ووضع الندى في موضع السيف في العلا * مضر كوضع السيف في موضع الندى
واما الأعداء غير المحاربين كالمنافقين الذين قال اللّه عنهم لرسوله ( هم العدو فاحذرهم قاتلهم اللّه انى يؤفكون ) والكفار المعاهدين والذميين الخائنين فكان ( ص ) يعاملهم أولا بلطفه ولينه بناء على حكم الاسلام الظاهر ، وكانت هذه المعاملة هي التي جرأت المنافقين على اذاه بما تقدم في هذا السياق ، ومنه قولهم فيه ( هو اذن ) وكذلك كفار اليهود كان ( ص ) عاهدهم ووفى لهم ، وكانوا يؤذونه حتى بتحريف السّلام عليه بقولهم : السام عليكم ، وهو الموت فيقول « وعليكم » ثم تكرر نقضهم لعهده حتى كان من امرهم ما تقدم بيانه في تفسير سورة الأنفال