( ص 49 ج 10 ) فأمره اللّه تعالى في هذه الآية بالغلظة على الفريقين في جهاده التأديبي لهم - ومثلها بنصها في سورة التحريم - وهو جهاد فيه مشقة عظيمة ، لأنه موقف وسط بين رحمته ولينه للمؤمنين المخلصين ، وشدته في قتاله للأعداء الحربيين ، يجب فيه إقامة العدل واجتناب الظلم . ومن كلام عمر ( رض ) فيه : أذلوهم ولا تظلموهم . وهذه الغلظة الإرادية ( أي غير الطبيعية ) تربية للمنافقين وعقوبة ، يرجى أن تكون سببا لهداية من لم يطبع الكفر على قلبه ، وتحيط به خطايا نفاقه ، فان اكفهراره ( ص ) في وجوههم تحقير لهم يتبعه فيه المؤمنون ، وبه وبما سيأتي يفقدون جميع منافع اظهار الاسلام الأدبية ، ومظاهر اخوة الايمان وعطفه ، فمن رأى أنه محتقر بين قومه وأبناء جنسه ، من الرئيس والامام الأعظم وغيره يضيق صدره ، ويرجع إلى نفسه بالمحاسبة ، فيراها إذا انصف وتدبر مليمة مذنبة ، فلا يزال ينحي عليها باللائمة ، حتى تعرف ذنبها ، وتثوب إلى رشدها ، فتتوب إلى ربها ، وهي سياسة حكمة كانت سبب توبة أكثر المنافقين ، وإسلام ألوف الألوف من الكافرين .
هذا . وان معاشرة الرئيس من امام وملك وأمير لمنافقي قومه بمثل ما يعاشر به المخلصين منهم ، فيه توطين لأنفسهم على النفاق ، وحمل لغيرهم على الشقاق ، فكيف إذا وضع المحاسنة موضع المخاشنة ، والايثار لهم ، حيث تجب الأثرة عليهم ، وبالغ في تكريمهم بالحباء والاصطفاء ، لمبالغتهم في التملق له ودهان الدهاء ، والاطراء في الثناء ؟ فان هذه المعاملة مفسدة لاخلاق الدهماء ، ومثيرة لحفائظ المخلصين الفضلاء ، وكم أفسدت على الملوك الجاهلين امرهم ، وكانت سببا لإضاعة ملكهم .
وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
هذا جزاؤهم في الآخرة عطفه على جزائهم في الدنيا ، فهم لا مأوى لهم يلجئون اليه هنالك إلا دار العذاب الكبرى ، التي لا يموت من أوى إليها ولا يحيا ، فهم يصيرون إليها معتولين ، ويدعّون إليها مقهورين ، لا يأوون إليها مختارين ، وبئس المصير هي
( إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً )
* * *
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
هذا استئناف لبيان السبب المقتضي لجهادهم كالكفار ، وهو انهم أظهروا الكفر بالقول ،