تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
المؤمنين الصادقين ، وأن يقابلوا بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر واللين ، وغير ذلك مما يأتي بيانه في هذه السورة . قال عز وجل : * * *
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
أي ابذل جهدك في مقاومة الفريقين الذين يعيشون مع المؤمنين بمثل ما يبذلون من جهدهم في عداوتك ، وعاملهم بالغلظة والشدة الموافقة لسوء حالهم ، وقدم ذكر الكفار في جهاد الدنيا لأنهم المستحقون له باظهارهم لعداوتهم له ( ص ) ولما جاء به ، والمنافقون يخفون كفرهم وعداءهم ويظهرون الاسلام فيعاملون معاملة المسلمين في الدنيا ، وقدم ذكر المنافقين في جزاء الآخرة لان كفرهم أشد ، وعذرهم فيه أضعف ، وقد تقدم في الجهاد بمعناه العام المستعمل في القرآن وبمعناه الخاص بالقتال في مواضع اجمعها الاستطراد الذي كتبناه في آخر آية الجزية ( ص 306 ج 10 ) وفيها ان الجهاد مشاركة من الجهد وهو الطاقة والمشقة كالقتال من القتل ، وانه حسي ومعنوي ، وقولي وفعلي ، واتفق علماء الملة على أن المنافقين يعاملون بأحكام الشريعة كالمسلمين الصادقين ، فلا يقاتلون إلا إذا اظهروا الكفر البواح بالردة ، أو بغوا على جماعة المسلمين بالقوة ، أو امتنع بعض طوائفهم من إقامة شعائر الاسلام وأركانه . وروي في تفسير الآية المأثور عن ابن عباس ( رض ) قال : جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان ، ففسر الكفار هنا بالحربيين ، وسيأتي من جهاد المنافقين حرمانهم من الخروج والقتال مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن صلاته على جنائزهم . وعن ابن مسعود ( رض ) قال لما نزلت
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ )
أمر رسول اللّه ان يجاهد بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر ، فقوله « فليلقه » يفهم منه ان هذا في جهاد الافراد بالمعاملة ، لا في جهاد الجماعات بالمقاتلة ، فهو إذا بمعنى إزالة المنكر في قوله ( ص ) « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان » رواه الجماعة - إلا البخاري - من حديث أبي سعيد الخدري ( رض ) وزاد ابن مسعود لقاء الكافر أو المنافق بوجه مكفهر أي عبوس مقطب ، ولكن لا يظهر جعله دون كراهة القلب ، ولا ان كراهة القلب لا تستطاع ، ولم نقف على سند هذا الحديث فنعرف مكانه من الصحة .