للتعظيم ، والدليل على ما حررته أنه لم يعطف مفردا على ما قبله مما وعدوا به على الايمان وأعماله لأنه فوق كل جزاء ، كما أشير اليه في قوله
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ )
بل جاء مرفوعا في اللفظ كرفعة معناه ، في جملة مستقلة تقديرها : وهنالك رضوان من اللّه أكبر وأعظم من تلك الجنات وما فيها . لا يقدر قدره ، ولا يكتنه سره
فهذا ما يفهم بمعونة الحديث من اختلاف اعرابه ووصفه باسم التفضيل ( أكبر ) وقد ورد لفظ ( رضوان ) معطوفا على ما قبله غير موصوف بهذا الوصف ولا موصولا بكونه من اللّه في آية
( 21 يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ )
من هذه السورة وذكرت في تفسيرها ما ورد من قوله تعالى في سورة آل عمران
( وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ )
معطوفا على الجنات والأزواج فهل يجوز في بلاغة القرآن ان يكون ما هنا من اختلاف الاعراب ووصف أكبر بغير فائدة ؟ وهل بحد له من الفائدة ما هو أليق به مما ورد في الحديث الصحيح من نعمة الرؤية ؟ كلا ، ولم يبين هذا بنص صريح في القرآن ، لئلا يكون فتنة لمن لم تسم أرواحهم إلى إدراك هذه المعان ، فحكمته الرحمة بضعف الانسان ، واللبيب يفهم بالإشارة ، ما لا يفهمه الغبي بأفصح عبارة ، أفلم تر كيف اختلف الألباء في فهم قوله سبحانه
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ )
وأما تحقيق معنى الرؤية والحكم فيما اختلفوا فيه من معنى هذه الآية ، ومعنى رداء الكبرياء وغيره من الحجب التي تحجب العبد عن ربه ، فقد فصلته في تفسير سورة الأعراف تفصيلا يقربه من العقل والعلم ( صفحة 128 - 178 ج 9 تفسير ) فهو وما هنا مما انفرد هذا التفسير بتحقيقه بالهام اللّه تعالى وفضله وله الحمد والمنة :
ووجه المقابلة الضدية بين ما هنا وما في وعيد المنافقين قبله ظاهر ، فالجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها مقابل لنار جهنم والخلود فيها ، والمساكن الطيبة في جنات عدن مقابل للعذاب المقيم ، ورضوان اللّه الأكبر للمؤمنين مقابل للعنة اللّه للمنافقين والكافرين ، إذ هي الطرد والحرمان من رحمته الخاصة ، نعوذ بوجهه
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أي ذلك الذي ذكر من الوعد للمؤمنين والمؤمنات بالنعيم الجسماني والروحاني ، هو الفوز العظيم الذي يجزى به أولئك المؤمنون الصالحون المصلحون دون غيره من هذه الحظوظ الدنيوية الخسيسة الفانية التي يتكالب عليها الكفار