الخلفاء الراشدين . وأما أعمال النفاق الدنيوية في أيام الملوك والامراء الظالمين الفاسقين ، فإنها تكون أكثر رواجا ونتاجا من أعمال الصادقين المخلصين ، ولا دليل على فساد الملوك والامراء والرؤساء أدل من تقريبهم للمنافقين المتملقين منهم ، وإبعادهم للناصحين الصادقين عنهم . قال الصادق الأمين صلّى اللّه عليه وسلّم « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » متفق عليه
وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
التامو الخسران دون غيرهم ممن لم يكن كل حظهم من نعم اللّه الاستمتاع العاجل ، والخوض في الباطل ، إذ جاء خسارهم من مظنة الربح والمنفعة ، كقوله تعالى فيهم
( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً )
وكلّ خسار دون هذا هين كأنه ليس بخسار ، وهذا معنى صيغة الحصر في الجملة ، فهل يعتبر بهذا أهل هذا الزمان ؟ أم هل يعتبر به التالون والمفسرون للقرآن ، أم يقرؤنه ويفسرونه لكسب الحطام ؟
* * *
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ
هذا استفهام تقرير وتوبيخ لمن نزلت فيهم الآيات من الكفار والمنافقين في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يذكرهم بالأقوام الذين ضلوا من قبلهم ووصلت إليهم سيرتهم ، وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا منهم ، والمؤتفكات جمع مؤتفكة من الائتفاك وهو الانقلاب والخسف وهي قرى قوم لوط . وقد فصل التنزيل قصصهم في عدة سور وبين هنا خلاصة نبأهم ومحل العبرة فيه بقوله :
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي فأعرضوا عنها وعاندوا الرسل ، فاخذهم العذاب وهو الطوفان الذي أغرق قوم نوح ، والريح العقيم التي أهلكت عادا قوم هود ، والصيحة التي أخذت ثمود ، والعذاب الذي هلك به النمروذ الذي حاول احراق إبراهيم ، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
ما كان ليفعل كذا معناه ما كان من شأنه ، وهو يتضمن نفي الفعل بدليله ، فهو أبلغ منه ، أي فما كان من سنة اللّه ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما