* * *
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
هذا عود إلى خطاب المنافقين الذين نزلت في شأنهم الآيات السابقة واللاحقة بعد ذكر حال جنس المنافقين وصفاتهم في كل زمان يقول لهم : أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خلوا من قبلكم في أقوام الأنبياء ، مفتونون بأموالكم وأولادكم ، مغرورون بدنياكم ، كما كانوا مفتونين ومغرورين بأموالهم وأولادهم ، ولكنهم
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ
اي فكان مطلبهم من أعمالهم وسعيهم التمتع والتنعم بنصيبهم وحظهم الدنيوي من الأموال والأولاد لم يكن لهم مطلب ولا غرض من الدنيا إلا التمتع بعظمتها تطغيهم بها القوة ، وبلذاتها تغريهم بها الثروة ، وبزينتها تفرحهم بها كثرة الذرية .
لأنهم لم يكن لهم مقاصد شريفة عالية من الحياة سواها كالذي يقصده أهل الايمان باللّه ورسله والدار الآخرة من إعلاء كلمة الحق ، وإقامة ميزان العدل في الخلق ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل كان خلاقهم كخلاق السباع والانعام من العدوان واللذات البدنية والنسل
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
من القوة والأموال والأولاد سواء ، لم تفضلوا عليهم بشيء من إرشاد كلام اللّه وهدي رسوله في الفضائل والأعمال الصالحة التي تتزكى بها الأنفس البشرية ، وتكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية ، فكنتم أجدر باللائمة والعقاب منهم ، لأنهم أوتوا من القوة المطغية ، والأموال المبطرة ، والأولاد الفاتنة ، فوق ما أوتيتم ، ولم يروا من آيات اللّه تعالى ما رأيتم ، ولا سمعوا من حكم كلامه وشرائعه ما سمعتم ، ولا نصب لهم من المثل الأعلا لهداية رسله ما نصب لكم بهدي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فان اللّه نزل عليه أحسن الحديث وأفضل الكتب وأكمل به الدين ، وجعله خاتم النبيين ، أعاد ذكر استمتاع من قبلهم لما يقتضيه التبكيت والتأنيب من الاطناب لبيان اختلاف الحالين ، فهو يقول لهم انكم فعلتم فعلتهم حذو القذة بالقذة مع توفر الدواعي على ضده
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
أي وخضتم في حمأة الباطل كالخوض الذي خاضوه من كل وجه ، على ما بين حالكم وحالهم من الفرق ، الذي كان يقتضى أن