تكونوا أهدى منهم ، وقال الفراء من علماء العربية إن ( الذي ) تأتي مصدرية كما ، فيكون التقدير : وخضتم كخوضهم ، وقيل إن ( الذي ) هنا للجنس كمن وماوانه بمعنى الذين ، ولكن هذا ضعيف لفظا ومعنى إذ المراد انكم تخوضون كخوض من قبلكم - وهو الذي يقتضيه العطف - لا كالذين خاضوا مطلقا من أي فريق كانوا
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
حبط العمل بكسر الباء حبطا بسكونها وحبوطا : فسد وذهبت فائدته ، وحبط دم القتيل : هدر ، وهو من حبط بطن البعير حبطا ( بفتحتين ) انتفخ وفسد من كثرة أكل الحندقوق فلم بثلط اي أولئك المستمتعون بخلاقهم وحظهم مما ذكر والخائضون في الباطل حبطت أعمالهم الدنيوية في الدنيا فكان .
ضررها أكبر من نفعها لهم لاسرافهم فيها وافسادهم في الأرض كما تحبط بطون الماشية تأكل الخضر فتستوبله فتنتفخ وتفسد ويكون سبب هلاكها ، وحبطت أعمالهم الدينية في الآخرة من العبادات وصلة الرحم وصنع المعروف والصدقة وقرى الضيوف فلم يكن لها اجر ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة ، لأنها كانت لأجل الرياء والسمعة وحب الظهور والثناء ، ولأجل أن يعاملوا معاملة المسلمين وتجري عليهم أحكامهم ، لم تكن لأجل تزكية النفس ، ولا لمرضاة اللّه عز وجل ، وفي التنزيل عدة آيات في حبوط الاعمال بالشرك والرياء اي بطلان ثوابها وهو مستعار من حبط بطون الماشية كما تقدم ، ويا لها من استعارة فان الماشية عندما تأكل الخضر من النبات تلذذا به فتكثر منه فتستوبله وتستوخمه يكون حظها منها فساد بطونها وهلاكها ، بدلا من التغذي والانتفاع الذي تطلبه بشهوتها . وقيل إن المراد بحبوط اعمالهم في الدنيا فشلهم وخببتهم فيما كانوا يكيدون للمؤمنين
وجملة القول إن أعمالهم إما دينية وإما دنيوية : فالدينية تحبط كلها في الآخرة لان شرط قبولها الايمان والاخلاص ، وتحبط في الدنيا إذا ظهر نفاقهم ، وافتضح أمرهم ، ولحبوطها معنى آخر وهو : انها لا تأثير لها في تهذيب أخلاقهم وتزكية أنفسهم من الفحشاء والمنكر ومساويء الاخلاق ، لان هذا لا يحصل الا بالاخلاص .
وأما الدنيوية فهي قسمان ( 1 ) تمتع بالأموال والأولاد والقوة ، ( 2 ) كيد ومكر ونفاق . وقد بينا معنى حبوطهما آنفا بما يطرد في أزمنة الأنبياء وما يشبهها كعهد