تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
هِيَ حَسْبُهُمْ
الخ فزيادة التشديد في الوعيد للفرق بين جزاء جماعة المنافقين والكفار الراسخين في النفاق والكفر المتعاونين على أعمالهما ، وجزاء أفراد العاصين للّه ورسوله ، فمفاسد هؤلاء الافراد شخصية كبيرها وصغيرها ، وأما مفاسد جماعات النفاق والكفر القومية والأمم المتعاونة فيها فهي أكبر لأنها أعم . والمعنى أن نار جهنم فيها من الجزاء ما يكفيهم عقابا في الآخرة
وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ
في الدنيا والآخرة بحرمانهم من رحمته الخاصة ، التي لا يستحقها الا المؤمنون الصادقون ، الذين تذكر صفاتهم في الآيات المقابلة لهذه عقبها
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
أي ثابت لا يتحول عنهم ، والظاهر من العطف أنه نوع من العذاب نفسي معنوي غير عذاب جهنم الحسي الخاص بها بنوعيه الظاهر والباطن : الظاهر كالسموم الذي يلفح وجوههم ، والحرارة التي تنضج جلودهم ، والحميم الذي يصهر ما في بطونهم ، والزقوم طعام الأثيم ، والضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع . والباطن المعبر عنه بقوله تعالى في الحطمة
( الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ )
فهذا النوع المقيم إن كان في الدنيا فهو ما يلصق بقلوب المنافقين من خوف الفضيحة ، وما تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى في أموالهم وأولادهم
( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا )
وغير ذلك من تعذيب الضمير والوجدان ، ولكل طائفة من الكفار عذاب دنيوي مقيم بحسب حالهم ، ولا سيما المعطلين منهم ، الذين لاهم لهم إلا في لذات الدنيا ، فكل ما يفوتهم منها أو ينغصها عليهم لهم فيه عذاب لا يشعر به المؤمنون الراضون بقضاء اللّه ، الصابرون على بلائه ، الشاكرون لنعمائه ، وان كان في الآخرة فهو حرمانهم من لقاء اللّه تعالى وكرامته ، والحجاب دون رؤيته ، كما قال
( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ )
وما يذكيه في قلوبهم اطلاع اللّه تعالى إياهم على أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم ، كما تقدم في سورة الأعراف . ولعل هذا هو المراد ، ويدل عليه ما يقابله في جزاء المؤمنين من الرضوان الأكبر الذي عطف على نعيم الجنة ، ولا مانع من شموله لما في الدنيا والآخرة ، ولكنه في عذاب الآخرة المعنوي أظهر ، وأعم وأشمل ، وتقدم ذكر العذاب المقيم في سورة المائدة بما يدل على أنه في النار ( 5 : 40 )