وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم فقال بعضهم كأبي السعود : ان الضمير المفرد هنا يعود إلى ما فهم مما قبله الذي يفسر باسم الإشارة أو « ما ذكر » كقول رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق
يعني كأن ذلك أو كأن ما ذكر ، وهو تخريج ضعيف لا يظهر في المثنى . وقال بعضهم إن الضمير عائد إلى اسم الجلالة ويقدر مثله للرسول ، وقال بعضهم انه للرسول وحده لان الكلام في ايذائه ، وهو أضعف مما قبله ، وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه ان الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه كقول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عن * دك راض والرأي مختلف
فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربي ولكن تفوت به النكتة التي ذكرناها ، وهي من بلاغة القرآن التي يجب على أهل البيان اقتباسها ، واستعمال مثل هذا التعبير في كل ما كان مثله في المعنى ، ولولا هذا التنبيه لما عنينا بنقل أقوالهم في الاعراب لأنه مخالف لمنهاجنا
وقوله
إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ
تذييل لبيان ان ما قبله هو مقتضى الايمان الصحيح الذي لا ينجي في الآخرة غيره ، أي إن كانوا مؤمنين كما يدعون ويحلفون فليرضوا اللّه تعالى ورسوله ، وإلا كانوا كاذبين ، وفي الآية عبرة للمنافقين في زماننا ككل زمان ، وعبرة بحالهم لمن يراهم يكذبون ويحلفون عند الحاجة إلى تأكيد أخبارهم فيما يحاولون به إرضاء الناس ولا سيما الملوك والامراء والوزراء الذين يتقربون إليهم فيما لا يرضى اللّه تعالى بل فيما يسخطه من المقاصد ، التي يتوسلون إليها بأخس الوسائل .
* * *
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها
الاستفهام هنا للتوبيخ وإقامة الحجة ، والمحادة مفاعلة من الحد وهو طرف الشيء ، كالمشاقة من الشق وهو بالكسر الجانب ونصف الشيء المنشق منه ، وكلاهما بمعنى المعاداة من العدوة وهي بالضم جانب الوادي ، لان العدو يكون في غاية البعد عمن يعاديه عداء البغض والشنآن ، بحيث لا يتزاوران ولا يتعاونان ، فشبه بمن يكون كل منهما في حد وشق وعدوة ، كما يقال هما على طرفي نقيض ، وكذلك