ان المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ، وقد وبخهم اللّه تعالى على اهتمامهم بارضاء المؤمنين دون ارضاء اللّه ورسوله وهما أحق بالارضاء ، وأوعدهم على ذلك بأنه محادة للّه ورسوله يستحقون بها الخلود في النار ، ثم بين بطريقة الاستئناف سبب حلفهم للمؤمنين واهتمامهم بارضائهم ، بأنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، فتبطل ثقتهم بهم ، فأعيد الضمير على المؤمنين لان سياق الكلام فيهم
( والبحث الآخر ) ان انزال الوحي يعدى بالى وبعلى إلى الرسول الذي يتلقاه عن اللّه تعالى - ويعدى بهما إلى قومه المنزل ليتلى عليهم لأجل هدايتهم ، وكلا الاستعمالين مكرر في القرآن . قال تعالى
( 2 : 136 قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا )
الخ وقال
( 3 : 84 قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا )
الخ وقال
( 7 : 2 اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ )
وقال
( 2 : 231 وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ )
وقال
( 21 : 10 لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ )
قال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم
قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
استدل أبو مسلم الاصفهاني بهذا الجواب على أن المنافقين اظهروا الحذر مما ذكر استهزاء ولم يكونوا يحذرون ذلك بالفعل لعدم ايمانهم ، ويرده إسناد الحذر إليهم في أول الآية وآخرها ، ولو صح هذا لذكر ذلك عنهم بالحكاية فأسند الحذر إلى قولهم ولم يسنده إليهم ، كما أسند إليهم كثيرا من الأقوال في هذه السورة وغيرها ، ومنها قوله تعالى في أوائل سورة البقرة
( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ )
ويؤيد وقوع الحذر منهم قوله تعالى في السورة المضافة إلى اسمهم
( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )
وفي الآية التالية لهذه الآية بيان لضرب آخر من استهزائهم في هذا المقام من سياق غزوة تبوك ، فالاستهزاء دأبهم وديدنهم ، وحذرهم من تنزيل السورة ليس من هذا الاستهزاء ، بل من خوف عاقبته ، وانما العجب من أمرهم استمرارهم عليه مع هذا الحذر ، واما أمرهم به فهو للتهديد والوعيد عليه وبيان كونه سببا لاخراجه تعالى ما يحذرون ظهوره من مخبآت سرائرهم ، ومكنونات ضمائرهم ، والأصل في الاخراج أن يكون للشيء الخفي المستتر ، أو المتمكن المستقر . ومن الأول قوله تعالى في