الجمهور على أن جملة ( يحذر ) خبر على ظاهرها ، وعن الزجاج انها انشائية في المعنى ، أي ليحذروا ذلك . وهو ضعيف . فالحذر كالتعب الاحتراز والتحفظ مما يخشى ويخاف منه كما يؤخذ من مفردات الراغب وأساس البلاغة ( في مادتي ح ذر ، وح رز ) ويستعمل في الخوف الذي هو سببه وقد استشكل هذا الحذر منهم وهم غير مؤمنين بالوحي ، وأجاب أبو مسلم عن هذا الاشكال بأنهم أظهروا الحذر استهزاء ، وأجاب الجمهور بما حاصله ان أكثر المنافقين كانوا شاكين مرتابين في الوحي ورسالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكونوا موقنين بشيء من الايمان ولا من الكفر ، فهم مذبذبون بين المؤمنين الموقنين والكافرين الجازمين بالكفر ، ومنهم من كان شكه قويا ، ومن كان شكه ضعيفا ، وتقدم شرح حالهم وبيان أصنافهم في أول سورة البقرة فراجع تفسيره وما فيه من بلاغة المثلين اللذين ضربهما اللّه تعالى لهم . وهذا الحذر والاشفاق أثر طبيعي للشك والارتياب ، فلو كانوا موقنين بتكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما خطر لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا موقنين بتصديقه لما كان هناك محل لهذا الخوف والحذر لان قلوبهم مطمئنة بالايمان
واختلف المفسرون في ضمير ( عليهم ) قال بعضهم هو للمنافقين المذكورين والمراد بنزوله عليهم نزوله في شأنهم ، وبيان كنه حالهم ، كقوله تعالى
( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ )
اي في شأن ملكه . ويقال : كان كذا على عهد الخلفاء ، أي في عهدهم وزمنهم . والمراد بانبائهم بما في قلوبهم لازمه وهو فضيحتهم وكشف عوارهم ، وانذارهم ما قد يترتب عليه من عقابهم ، وقال آخرون : هو للمؤمنين أي يحذر المنافقون أن ينزل على المؤمنين آية تنبئهم بما في قلوبهم أي قلوب المنافقين الحذرين من الشك والارتياب وتربص الدوائر بهم اي بالمؤمنين ، وغير ذلك من الشر الذي يسرونه في أنفسهم ، والاضغان التي يخفونها في قلوبهم . قيل فيه تفكيك للضمائر ، وأجيب بأن تفكيك الضمائر غير ممنوع ، ولا ينافي البلاغة الا إذا كان المعنى به غير مفهوم
ولنا هذا المقام بحثان ( أحدهما ) انه ليس ههنا تفكيك للضمائر ، فإنه قد سبق