تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
الرجل المسلم يقول اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، فأنزل اللّه في ذلك
( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ )
الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار . وهذا ليس بحصر ، بل المراد أن الآية نزلت في هذا وأمثاله ، فان من عادة المنافقين والكاذبين من عصاة المؤمنين وغيرهم أن يكثروا الحلف ليصدقوا لأنهم لعلمهم بكذبهم يظنون أو يعلمون أنهم متهمون في أقوالهم وأعمالهم ، فيحلفون لإزالة التهمة ، وهذا معلوم في كل زمان ، وقد تقدم في الآية ( 42 ) من هذا السياق حلفهم أنهم لو استطاعوا الخروج في غزوة تبوك لخرجوا ، والتصريح بعلم اللّه بكذبهم في حلفهم هذا - وفي الآية ( 56 ) منه
( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ )
الخ وسيأتي في آية ( 74 ) منه مثل هذا الحلف على قول من الكفر قالوه انهم ما قالوه ، وفي آيات 95 و 96 و 107 منه نحو من ذلك * * * فقوله تعالى
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
لِيُرْضُوكُمْ
خطاب للمؤمنين في بعض شؤون هؤلاء المنافقين معهم في غزوة تبوك ، أخبرهم بأنهم شعروا بما لم يكونوا يشعرون من ظهور نفاقهم فكثر اعتذارهم وحلفهم للمؤمنين في كل ما يعلمون انهم متهمون به من قول وعمل ، ليرضوهم فيطمئنوا لهم ، فتنتفي داعية إخبار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما ينكرون منهم ، وقد رد اللّه تعالى عليهم بقوله
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
أي والحال أن اللّه ورسوله أحق بالارضاء من المؤمنين ، فان المؤمنين قد يصدقونهم فيما يحلفون عليه إذا لم يكن كذبهم فيه ظاهرا معلوما باليقين ، ولكن اللّه لا يخفى عليه شيء ، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وهو يوحي إلى رسوله من أمور الغيب ما فيه المصلحة وكان الظاهر أن يقال « يرضوهما » وتكتة العدول عنه إلى
( يُرْضُوهُ )
الاعلام بان ارضاء رسوله من حيث إنه رسوله عين ارضائه تعالى ، لأنه ارضاء له في اتباع ما أرسله به ، وهذا من بلاغة القرآن في الايجاز ، ولو قال ( يرضوهما ) لما أفاد هذا المعنى ، إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر ، وهو خلاف المراد هنا ، وكذلك لو قيل « واللّه أحق أن يرضوه ورسوله أحق ان يرضوه » لا يفيد هذا المعنى أيضا وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل ،