وهدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة ، دون من أظهر الاسلام وأسر الكفر منافقا فهو نقمة عليه في الدارين ، كما قال
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ
هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
والآيات في هذا المعنى كثيرة . ولما كان كل منهم يدعي الايمان كان قوله ( منكم ) تعريضا بغير الصادقين منهم لا تصريحا . وفائدته ان يعلموا ان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عالم بان منهم منافقين ولكنه لا يعرف أعيانهم وأشخاصهم ، ويخشى أن يخبره ربه بهم ، ويكشف له عن أسرار قلوبهم ، كما سيأتي في قوله تعالى
( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ )
وقيل إن المراد بالذين آمنوا منهم الذين أظهروا الايمان ، وانه رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها معاملة المؤمنين . ولذلك قال « الذين آمنوا » فعبر عنهم بالفعل ، ولم يقل المؤمنين بالوصف ، وهذا القول ضعيف ، وكثيرا ما ناط التنزيل الجزاء على الايمان بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي
وقرأ حمزة ( ورحمة ) بالخفض عطفا على ( خير ) قيل في معناه أي هو أذن خير ورحمة لكم ، وفيه نظر أيضا فإنه لو أريد هذا لما فصل بين الخير والرحمة بقوله
( يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )
بل هو يؤيد ما قلناه ، والتقدير أذن خير لكم كافة ، وأذن رحمة للذين آمنوا منكم خاصة ، فكل ما في اختلاف التعبير أن لين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولطفه وإلقاءه السمع إلى محدثه ، وعدم معاملته بمقتضى سره وسريرته ، هو خير للمنافقين من عدمه ، فإنه لو أمره اللّه تعالى أن يعاملهم بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمرا بقط رقابهم ، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي يعتقدونه من لفظ الخير ، وخير لهم في نفس الامر ، لأنه امهال لهم يرجى أن يتوب بسببه من فيه استعداد للايمان منهم بما يراه من آيات اللّه وتأييده لرسوله وللمؤمنين . فالخيرية دنيوية وهي للجميع ، والرحمة دنيوية وأخروية وانما هي للمؤمنين . واما إرساله صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة للعالمين ، فالمراد به عموم دعوته وهدايته ، لا انه رحمة لمن كفر به كمن آمن به .
ويؤيد ما اخترناه قوله تعالى
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
فهو مقابل قوله
( وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ )
يدل على أن إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالقول أو الفعل ينافي الايمان الذي هو سبب الرحمة ، فجزاؤه ضد جزائه وهو العذاب الشديد