وأدبه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كان لا يواجه أحدا بما يكره ، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه . وفي هذا تهديد لهم وتخويف بأن ينبئه اللّه تعالى بما كانوا يسرونه في أنفسهم وفيما بينهم كما سيأتي قريبا في قوله
( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ )
وتخويف من المؤمنين الذين يسيئون الظن فيهم كعمر بن الخطاب ( رض ) ان يظهروا على كفرهم فيخبروه به فيأذن بالانتقام منهم
وأما كونه صلّى اللّه عليه وسلّم أذن خير لهم مع هذا فهو معاملته لهم بالحلم وما يقتضيه حكم الشرع من العمل بالظواهر ، ومنها قبول المعاذير قبل نهيها عنها في هذه السورة .
ولو كان يعاملهم بمقتضى ما يسمع عنهم كما تقتضيه استعمال كلمة اذن - لما سلموا من عقابه ، لأن أخبار السوء عنهم كثيرة بكثرة اعمال السوء فيهم ، فلو كان يقبل أخبار الشر لقبلها من المؤمنين الصادقين فيهم ولعاقبهم عليها
وفسر الزمخشري قراءة التنوين في قوله ( أذن خير ) بأن كلا من اللفظين خبر لمبتدأ محذوف ، أي هو أذن هو خير لكم ، يعني ان كان كما تقولون فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم ، ولا يكافئكم على سوء دخيلتكم . وقدر غيره : اذن ذو خير لكم ، أو بمعنى : أخير لكم
ونكتة تعدية الايمان بالباء في اللّه تعالى وباللام في المؤمنين ان الأول على الأصل في آمن به ضد كفر به ، وصدق به ضد كذب به . وأما الثاني فقد ضمن معنى الميل والائتمان والجنوح للمؤمنين به ، وفي معناه آيات كقوله تعالى
( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ )
وقوله
( فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ )
وقوله إخبارا عن قول اخوة يوسف لأبيهم
( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا )
وقوله في جدال قوم نوح له
( أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ )
ففي كل هذا معنى التصديق المتضمن للائتمان والتسليم والميل عن جانب إلى جانب ، وانما يكون هذا في ايمان الناس بعضهم لبعض لا في الايمان باللّه عز وجل . وبهذا يعلم كذبهم في زعمهم تصديقه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم فيما يعتذرون له ، فهو لا يصدقهم وان حلفوا لأنه انما يؤمن للمؤمنين الصادقين ، دون المنافقين الكاذبين
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
أي هو أذن خير لكم على كونه يؤمن للمؤمنين دون غيرهم ، وهو رحمة للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا صادقا إذ كان سبب إيمانهم