فالظاهر أنه يطلق على اليسير والخفيف وعلى الشديد ، وقوله تعالى
( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً )
من الأول لأنه مستثنى من الضرر ، ومثله ما ورد في الأذى من المطر وأذى الرأس من القمل ، ومن الثاني قوله تعالى في سورة الأحزاب
( 33 : 57 إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ( 58 ) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً )
فقد ورد في المأثور تفسير الذين يؤذون اللّه بالذين نسبوا اليه الابن والبنات ، والذين يؤذون رسوله بالذين شجوا رأسه يوم أحد ، وبالذين كانوا يكذبون برسالته ويقولون ساحر وشاعر وكاهن ، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالطاعنين في الاعراض وبالزناة الذين يتبعون النساء لمراودتهن . وناهيك بالوعيد الشديد للجميع
وأما قولهم ( أذن ) فهو من تسمية الشخص باسم الجارحة للمبالغة في وصفه بوظيفتها وهو كثرة السمع لما يقال وتصديقه كأنه كله أذن سامعة ، كقولهم للجاسوس عين ، ويطلق على لازمه وهو عدم الدقة في التمييز بين ما يسمع ، وتصديق ما يعقل وما لا يعقل ، فيراد به الذم بالغرارة وسرعة الانخداع . وهو من أكبر عيوب الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من قبول الغش بالكذب والنميمة ، وتقريب المنافقين ، وإبعاد الناصحين . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها التي يعامل بها عامة المسلمين كما أمره اللّه تعالى ببناء المعاملة على الظواهر ، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له . قرأ الجمهور ( أذن ) بضمتين ، ونافع بسكون الذال ، وهما لغتان
وقد لقنه اللّه تعالى الرد عليهم بقوله
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
أي نعم هو أذن ولكنه نعم الأذن ، لأنه أذن خير لا كما تزعمون ، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا الحق وما وافق الشرع ، وما فيه الخير والمصلحة للخلق ، وليس بأذن في غير ذلك كسماع الباطل والكذب والغيبة والنميمة والجدل والمراء ، فهو لا يلقي سمعه لشيء من ذلك ، وإذا سمعه من غير أن يستمع اليه لا يقبله ، ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه شرعا أو عقلا ، كما هو شأن من يوصفون بهذا الوصف من الملوك والزعماء فيستعين المتملقون وأصحاب الأهواء به على السعاية عندهم ، لابعاد الناصحين المخلصين عنهم ،