والحكمة فيما ذكر أن تعيين المقادير وقيام أولي الامر بتحصيلها وتوزيعها على من فرضت لهم وتعدد أصنافهم كل ذلك انما وجد بوجود حكومة إسلامية تناط بها مصالح الأمة في دينها ودنياها في دار تسمى دار الاسلام لان أحكامه ننفذ فيها بسلطانه ، وكانت أول دار للاسلام دار الهجرة إذ كانت مكة دار كفر وحرب ، لا ينفذ فيها للاسلام حكم ، بل لم يكن لأحد من أهله فيها حرية الجهر بالصلاة الا بحماية قريب أو جار من المشركين
وإمام المسلمين في دار الاسلام هو الذي تؤدى له صدقات الزكاة ، وهو صاحب الحق بجمعها وصرفها لمستحقيها ، ويجب عليه ان يقاتل الذين يمتنعون عن أدائها اليه كما فعل خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنه فيمن منعوا الزكاة من العرب وقال « واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق المال واللّه لو منعوني عناقا « 1 » كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقاتلتهم على منعها » وهو متفق عليه . فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الاسلام - بعد الشهادتين والصلاة المفروضة - وأظهر آيات الايمان ، وتقدم في هذه السورة اشتراطا أدائها في قبول إسلام الكفار وعدهم إخوانا للمسلمين في الدين ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبايع المسلمين على أدائها ، وأجمع المسلمون على كفر جاحدها ومستحل تركها ، وقد بينا مكانة الزكاة في الاسلام ودلالتها على صدق الايمان وضلال تاركيها في هذا الزمان في مواضع كثيرة من هذا التفسير
ولكن أكثر المسلمين لم يبق لهم في هذا العصر حكومات إسلامية تقيم الاسلام بالدعوة اليه والدفاع عنه ، والجهاد الذي يوجبه وجوبا عينيا أو كفائيا ، وتقيم حدوده ، وتأخذ الصدقات المفروضة كما فرضها ، وتضعها في مصارفها التي حددها ، بل سقط أكثرهم تحت سلطة دول الإفرنج ، وبعضهم تحت سلطة حكومات مرتدة عنه أو ملحدة فيه ، ولبعض الخاضعين لدول الإفرنج رؤساء من المسلمين الجغرافيين اتخذهم الإفرنج آلات لاخضاع الشعوب لهم باسم الاسلام حتى فيما يهدمون به الاسلام ، ويتصرفون بنفوذهم وأمرهم في مصالح المسلمين وأموالهم الخاصة بهم فيما له صفة دينية من صدقات
هامش
( 1 ) العناق بالفتح الأنثى من المعز قبل ان تستكمل الحول . وفي رواية عقالا وهو للمبالغة